تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
قولُه: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾. ففي قوله: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ﴾. الأمرُ بالإنذارِ، وفى الأمرِ بالإنذارِ الأمرُ بالقولِ؛ لأن الإنذارَ قولٌ، فكأن معنى الكلامِ: أنذرِ القومَ وقلْ لهم: اتَّبِعوا ما أُنزِل (¬١) إليكم مِن رَبِّكُم.
ولو قيل: معناه: لتنذِرَ به وتُذكِّرَ به المؤمنين، فتقولَ لهم: اتَّبِعوا ما أُنزِل إليكم. كان غيرَ مدفوع. وقد كان بعضُ أهلِ العربية (¬٢) يقولُ: قولُه: ﴿اتَّبِعُوا﴾. خطابٌ للنبيّ ﷺ، ومعناه: كتابٌ (¬٣) أُنزلِ إليك فلا يكُنْ في صدرِك حرجٌ منه، اتبعْ ما أُنزِل إليك مِن ربّك. ويَرَى أن ذلك نظيرُ قولِ اللَّهِ: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. إذ ابتدَأ خطابَ النبيّ ﷺ، ثم جَعَل الفعلَ للجميعِ، إذ كان أمرُ اللهِ نبيَّه بأمرٍ، أمرًا منه لجميعِ أمتِه، كما يقالُ للرجلِ يُفْرَدُ بالخطابِ، والمرادُ به هو وجماعةُ أتباعِه أو عشيرتِه وقبيلتِه: أمَا تتقون الله، أما تَسْتَحْيون مِن اللهِ. ونحو ذلك من الكلام.
وذلك وإن كان وجهًا غيرَ مدفوعٍ، فالقولُ الذي اخْترناه أَولى بمعنى الكلام؛ لدلالةِ الظاهرِ الذي وصفْنا عليه.
وقولُه: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: قليلًا ما تتَّعِظون وتَعْتَبرون، فتُراجِعون الحقَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾.
Juz 10, hlm. 57 ›
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: حَذِّرْ هؤلاء العابدين غيرى، والعادِلين بي الآلهةَ والأوثانَ سَخَطِى، [لا أحلُّ] (¬١) بهم عقوبتى فأُهلِكَهم كما أهلَكْتُ من سَلَكَ سبيلَهم مِن الأممِ قبلَهم، فكثيرًا ما أهلكتُ قبلَهم مِن أَهلِ قُرًى عَصَونى، وكذَّبوا رسولى، وعبدوا غيرى، ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾. يقولُ: فجاءتهم عقوبتُنا ونِقْمَتُنا ليلًا قبلَ أن يُصبحوا، أو جاءتهم قائلين، يعني: نهارًا في وقتِ القائلةِ.
وقيل: ﴿وَكَمْ﴾. لأن المرادَ بالكلامِ ما وصفْتُ مِن الخبرِ عن كثرةِ ما قد أصابَ الأممَ السالفةَ مِن المثلاتِ بتَكْذيبِهم رسلَه، وخلافِهم عليه، وكذلك تفعَلُ العربُ إذا أرادوا الخبرَ عن كثرةِ العددِ، كما قال الفَرَزْدَقُ (¬٢):
كُمْ عَمَّةٍ لكَ يا جريرُ وخالةٍ … فَدْعاءَ (¬٣) قد حَلَبَتْ عليّ عِشَارِى
فإن قال قائلٌ: فإن الله تعالى ذكرُه إنما أخبَر أنه أهلَك قُرًى، فما في خبرِه عن إهلاكِه القُرى مِن الدليلِ على إهلاكِه أهلَها؟
قيل: إن القُرى لا تُسمَّى قُرًى، ولا القريةَ قريةً، إلا وفيها مساكنُ لأهلِها وسكانٌ منهم، ففى إهلاكِها إهلاكُ مَن فيها مِن أهلِها.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يرى أن الكلامَ خَرَجَ مخرجَ الخبرِ عن القريةِ، والمرادُ به أهلُها.
والذي قلنا في ذلك أَولى بالحقِّ، لموافقتِه ظاهرَ التنزيلِ المَتَلُوِّ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ
Juz 10, hlm. 58 ›
قَائِلُونَ﴾؟ وهل هَلَكَت قريةٌ إلا بمجيءِ بأسِ اللَّهِ وحلولِ نِقْمَتِه وسَخَطِه بها (¬١)؟ فكيف قيل: ﴿أَهْلَكْنَهَا فَجَاءَهَا﴾؟ وإن كان مجئُ بأسِ اللَّهِ إياها بعدَ هلاكِها، فما وجهُ مجئِ ذلك قومًا قد هَلكوا وبادُوا، ولا يشعُرون بما ينزِلُ بهم ولا بمساكنِهم؟
قيل: إن لذلك مِن التأويلِ وجهين، كلاهما صحيحٌ واضحٌ منهجُه؛ أحدُهما، أن يكونَ معناه: وكم من قريةٍ أهلكْناها بخِذْلانِنا إياها عن اتباعِ ما أنزلنا إليها مِن البيناتِ والهُدى، واختيارِها اتباعَ أمرِ أوليائِها المُغْوِيَتِها (¬٢) عن طاعةِ ربَّها، فجاءَها بأْسُنا إذ فَعَلَت ذلك بياتًا أو هم قائِلُون. فيكونُ إهلاكُ اللَّهِ إياها خذلانَه لها عن طاعتِه، ويكونُ مجئُ بأسِ اللَّهِ إياهم جزاءً لمعصيتِهم ربَّهم بخِذْلانِه إياهم. والآخرُ منهما، أن يكونَ الإهلاكُ هو البأسَ بعينِه، فيكونُ في ذكرِ الإهلاكِ الدلالُة على ذكرِ مجئِ البأسِ، وفى ذكرِ مجئِ البأسِ الدلالُة على ذكرِ الإهلاكِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان سواءً عندَ العربِ بُدِئَ بالإهلاكِ ثم عُطِفَ عليه بالبأسِ، أو بُدِئَ بالبأسِ ثم عُطِفَ عليه بالإهلاكِ، وذلك كقولِهم: زُرتنى فأكرمتَنى. إذا كانت الزيارةُ هي الكرامةَ، فسواءٌ عندَهم قَدَّمَ الزيارةَ وأخَّر الكرامةَ، أو قَدَّمَ الكرامةَ وأخَّر الزيارةَ، فقال: أكرمتَنى فزُرْتَني.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (¬٣) يزعُمُ أن في الكلامِ محذوفًا، لولا ذلك لم يكن الكلامُ صحيحًا، وأن معنى ذلك: وكم مِن قريةٍ أهْلكناها، فكان مجئُ بأسِنا إياها قبلَ إهلاكِناها (¬٤).
Juz 10, hlm. 59 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.