تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
تفسيرُ سورةِ "الحَشْرِ"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: صلَّى للهِ، وسجَد له، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن خَلْقِه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: وهو العزيزُ في انتقامِه مِمَّن انتقَم مِن خَلْقِه، على معصيتِه (¬١) إياه، الحكيمُ في تدبيرِه إيّاهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: اللهُ الذي أَخْرَج الذين جَحدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ مِن أهلِ الكتابِ، وهم يهودُ بني النَّضِيرِ مِن ديارِهم، وذلك خروجُهم عن منازلِهم ودُورِهم، حينَ صالَحوا رسولَ اللهِ ﷺ على أن يُؤَمِّنَهم على دمائِهم ونسائِهم وذَرارِيِّهم، وعلى أن لهم (¬٢) ما (¬٣) أَقلَّت الإبلُ مِن أموالِهم، ويُخَلُّوا له دُورَهم وسائرَ أموالِهم، فأَجابهم رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى ذلك، فخرَجوا مِن ديارِهم؛ فمنهم مَن خرَج
Juz 22, hlm. 496 ›
إلى الشامِ، ومنهم مَن خرَج إلى خيبرَ. فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. قال: النَّضيرَ، حتى قولِه: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (¬١).
ذكرُ ما بَيَّن ذلك كلِّه فيهم
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قيل: الشامُ؛ وهم بنو النَّضيرِ - حيٌّ مِن اليهودِ - فأَجْلاهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ مِن المدينةِ إلى خَيْبرَ، مَرْجِعَه مِن أُحُدٍ (¬٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: هم بنو النَّضيرِ، قاتَلهم النبيُّ ﷺ حتى (¬٣) صالَحهم على الجلاءِ، فأَجْلاهم إلى الشامِ، وعلى أنَّ لهم ما أَقَلَّت الإبلُ مِن شيءٍ إلا الحَلْقَةَ، والحَلْقَةُ: السِّلاحُ، كانوا من سِبْطٍ لم يُصِبْهم جَلَاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ ﷿
Juz 22, hlm. 497 ›
قد كتَب عليهم الجَلاءَ، ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ (¬١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: هؤلاء النَّضيرُ حينَ أَجْلاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: نزَل في بني النَّضيرِ "سورةُ الحشرِ" بأَسرِها، يُذْكَرُ فيها ما أَصابهم اللَّهُ ﷿ به مِن نِقْمَتِه، [وما] (¬٢) سَلَّط عليهم به رسولَ اللَّهِ ﷺ، وما عَمِل به (¬٣) فيهم. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآيات (¬٤).
وقولُه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لأوَّلِ الجَمْعِ في الدنيا، وذلك حشرُهم إلى أرضِ الشامِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه:
Juz 22, hlm. 498 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.