التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
أنواع عذاب أهل الشمال في الآخرة
﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾
الإعراب:
﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ أتى باللام المؤكدة مع أنها لا تذكر في النفي، لأن الصيغة ليست تصريحا بالنفي.
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ﴿شُرْبَ﴾ بضم الشين: اسم، وهو منصوب على المصدر، وتقديره: فشاربون شربا مثل شرب الهيم، فحذف المصدر وصلته، وأقيم ما أضيفت إليه الصفة مقام المصدر. وقرئ بالفتح، فهو مصدر. و ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل التي لا تروى من الماء، لما بها من داء وهو الهيام، وهو جمع أهيم وهيماء. وكان الأصل فيه أن يجمع على فعل بضم الفاء، إلا أنها كسرت لمكان الياء، كما تقدم في (عين) جمع (عيناء).
البلاغة:
﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ توافق الفواصل في الحرف الأخير، لزيادة جرس الكلام وجماله.
﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، تحقيرا لشأنهم، بعد قوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ فالأصل أن يقول: هذا نزلكم.
Juz 27, hlm. 258 ›
﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ فيه تهكم واستهزاء أيضا، أي هذا العذاب ضيافتهم يوم القيامة، لأن النزل هو أول ما يقدم للضيف من الكرامة.
المفردات اللغوية:
﴿سَمُومٍ﴾ ريح شديدة الحرارة تنفذ في المسام. ﴿وَحَمِيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة. ﴿يَحْمُومٍ﴾ دخان أسود شديد السواد. ﴿لا بارِدٍ﴾ لا هو بارد كغيره من الظلال. ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ ولا هو نافع يدفع أذى الحر لمن يأوي إليه. ﴿قَبْلَ ذلِكَ﴾ في الدنيا. ﴿مُتْرَفِينَ﴾ منعمين منهمكين في الشهوات. ﴿يُصِرُّونَ﴾ يقيمون. ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ الذنب العظيم وهو الشرك والوثنية.
﴿.. أَإِذا مِتْنا﴾ ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ كررت الهمزة للدلالة على إنكار البعث مطلقا.
﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا وما قبله للاستبعاد، وفيه دلالة على أن ذلك أشد إنكارا في حقهم لتقادم زمانهم، ويقرأ بسكون الواو (أو) عطفا بأو، والمعطوف عليه محل ﴿إِنَّ﴾ واسمها ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ وقرئ: لمجمعون. ﴿مِيقاتِ﴾ وقت، أي ما وقت به الشيء.
﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يوم القيامة، وسمي بذلك، لأنه وقتت به الدنيا.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث، والخطاب لأهل مكة وأمثالهم. ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثانية للبيان، والزقوم: شجر في غاية المرارة ينبت في أصل الجحيم. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ مالئون من الشجر البطون لشدة الجوع. ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ على الزقوم المأكول، لغلبة العطش، وتأنيث ضمير ﴿مِنْهَا﴾ وتذكيره في ﴿عَلَيْهِ﴾ الأول لمراعاة المعنى، والثاني لمراعاة اللفظ. ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل العطاش، جمع أهيم وهيمان للذكر، وهيمى للأنثى، كعطشان وعطشى، وهي المصابة بداء الهيام: وهو داء يشبه الاستسقاء يصيب الإبل، فتشرب حتى تموت أو تمرض. ﴿نُزُلُهُمْ﴾ النزل: ما يعد للضيف أول نزوله تكرمة له. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء والقيامة.
المناسبة:
بعد بيان أحوال فريقين من الأصناف الثلاثة يوم القيامة، وهما السابقون وأصحاب اليمين، بيّن الله تعالى عطفا عليهم حال أصحاب الشمال وما يلقونه في نار جهنم من أنواع العذاب والنكال، مع بيان سبب ذلك، وهو انهماكهم في الشهوات في الدنيا، وشركهم، وإنكارهم يوم البعث.
Juz 27, hlm. 259 ›
التفسير والبيان:
﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ﴾ أي وأصحاب الشمال أي شيء هم فيه، وأي وصف لهم حال تعذيبهم في الآخرة؟! وهذا الحال والوصف ما قاله تعالى:
﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ أي هم في ريح حارة من حر النار، وماء شديد الحرارة، وظل من دخان جهنم شديد السواد، ليس باردا كغيره من الظلال التي تكون عادة باردة، ولا حسن المنظر ولا نافعا. وكل ما لا خير فيه فهو ليس بكريم. والمشهور أن السموم: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل غالبا، قال الرازي: والأولى أن يقال: هي هواء متعفن، يتحرك من جانب إلى جانب، فإذا استنشق الإنسان منه يفسد قلبه بسبب العفونة ويقتله.
وذكر السموم والحميم، وترك ذكر النار وأهوالها، إشارة بالأدنى إلى الأعلى، فإذا كان هواؤهم الذي يستنشقونه سموما، وماؤهم الذي يستغيثون به حميما، مع أن الهواء والماء أبرد الأشياء في الدنيا، فما ظنك بنارهم التي هي في الدنيا أحرّ شيء! وكأنه تعالى يقول: إذا كان أبرد الأشياء لديهم أحرها، فكيف حالهم مع أحرّها؟! ونظير الآية قوله تعالى: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ، إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات ٢٩/ ٧٧ - ٣٣].
وسبب عذابهم ما قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، وَكانُوا
Juz 27, hlm. 260 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.