تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
له، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) [وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، أي: لا تشركوا به شيئًا، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾] [¬١].
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾
يقول تعالى مسليًا نبيه ﷺ: وكما قال لك [¬٢] هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾!. قال الله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾؛ أي: أوَصى بعضهم بعضًا بهذه المقالة؟ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي؛ فأعرض عنهم يا محمَّد، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾، يعني: فما نلومك على ذلك، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير.
وقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا للعبادة. وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك. وقال
Juz 13, hlm. 222 ›
الضحاك: المراد بذلك المؤمنون.
وقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. قال الإمام أحمد:
حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد؛ قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: أقرأني رسول الله ﷺ: (إني أنا [¬١] الرزاق ذو القوة المتين) (¬١٨).
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث إسرائيل (¬١٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ومعنى الآية أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب. وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمَّد بن عبد الله، حدثنا عمران -يعني ابن زائدة بن نشيط- عن أبيه، عن أبي خالد -هو الوالبي [¬٢]- عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: [] [¬٣] "قال الله: [يا بن] [¬٤] آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدوك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك" (¬٢٠).
ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة (¬٢١)، وقال الترمذي: حسن
Juz 13, hlm. 223 ›
غريب.
وقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن سلام أبي [¬١] شرحبيل، سمعت حَبّة [¬٢] وسواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله ﷺ وهو يعمل عملًا -أو [¬٣] يبني بناء -وقال أبو معاوية: يصلح شيئًا- فأعناه عليه، فلما فرغ دعا لنا وقال: "لا تيأسا من الرزق ما تَهَزّزت [¬٤] رءوسكما، فإن الإنسان تلد [¬٥] أمه أحمر ليس عليه قشْرة [¬٦]، ثم يعطيه الله ويرزقه" (¬٢٢).
وفي بعض الكتب الإلهية [¬٧] قول الله تعالى: "ابن آدم؛ خلقتك لعبادتي فلا تلعب. وتكفلت [¬٨] برزقك فلا تتعب. فاطلبني [¬٩] تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
وقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ أي: نصيبًا من العذاب، ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي: فلا يستعجلوا ذلك، فإنه واقع بهم [¬١٠] لا محالة ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.
[آخر تفسير سورة الذاريات].
* * **
Juz 13, hlm. 224 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.