تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
كان الحسنُ لا يَرَى بذَبائحِ نَصَارَى العرب، ولا نكاح نسائِهم بأسًا، وكان يَتْلُو هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المبارَكِ، عن هارونَ بن إبراهيمَ، قال: سُئِل ابن سِيرينَ عن رجلٍ يَبِيعُ داره مِن نصارى يَتَّخِذونها بيعةً. قال: فتلا هذه الآيةَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾
يعنى تعالى ذكره بذلك: إن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ مَن وضَع الوَلايةَ في غيرِ موضعِها، فوالَى اليهودَ والنصارَى مع عَداوتِهم اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، على المؤمنين، وكان لهم ظَهيرًا ونَصيرًا؛ لأن مَن توَلَّاهم فهو للَّهِ ولرسولِه وللمؤمنين حربٌ.
وقد بيَّنا معنى "الظلمِ" في غيرِ هذا الموضعِ، وأنه وضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه بما أَغْنَى عن إعادتِه (¬١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.
اخْتَلَف أهل التأويلِ في مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، قال: سَمِعْتُ أبي، عن عَطيةَ بن سعيدٍ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾:
Juz 8, hlm. 510 ›
في وَلايتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (¬١).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى والدى إسحاق بنُ يَسارٍ، عن عُبادةَ بن الوليدِ بن عُبادةَ بن الصامتِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: يعني عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾؛ لقولِه: إنى أَخْشَى دائرةً تُصِيبُنى (¬٢).
وقال آخَرون: بل عُنِى بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهودَ ويَغُشُّون المؤمنين ويقولون: نَخْشَى أن تكونَ الدائرة (¬٣) لليهودِ على المؤمنين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾. قال: المنافقون في مُصانَعةِ يهودَ ومُناجاتِهم، واسْتِرْضاعِهم أولادَهم إياهم. و (¬٤) قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. قال: يقولُ: نَخْشَى أن تَكونَ الدائرةُ لليهودِ (¬٥).
Juz 8, hlm. 511 ›
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَادِمِينَ﴾: أُناسٌ مِن المنافِقِين كانوا يُوَادُّون اليهودَ ويُناصِحونهم دونَ المؤمنين (¬١).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شَكٌّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. والدائرةُ ظهورُ المشركين عليهم (¬٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن ذلك من اللَّهِ تعالى ذكرُه خبرٌ عن ناسٍ من المنافقين كانوا يُوالُون اليهودَ والنصارى، ويَغُشُّون المؤمنين، ويقولون: نَخْشَى أَن تَدورَ دَوائرُ - إما لليهودِ والنصارى، وإما لأهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ أو غيرِهم - على أهلِ الإسلام، أو تَنْزِلَ بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيَكونَ بنا إليهم حاجةٌ. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك كان مِن قولِ عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ، ويَجوزُ أَن يَكُونَ كان مِن قولِ غيرِه، غيرَ أنه لا شَكّ أنه مِن قولِ المنافقين.
فتأويلُ الكلامِ إذن: فتَرَى يا محمدُ الذين في قلوبِهم شكٌّ ومرضُ إيمانٍ بنبوتِك، وتصديقِ ما جئْتَهم به مِن عندِ ربِّك، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾. يعنى: في اليهودِ والنصارى. ويعنى بُمسارعتهم فيهم، مُسارعَتَهم في مُوالاتِهم ومُصانَعتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. يقولُ هؤلاء المنافقون: إنما نُسارِعُ في مُوالَاةِ
Juz 8, hlm. 512 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.