تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
قال: لا، قال: "فكلوها" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك.
تفرد به، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها، والله أعلم.
وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: [غير] متعاط لمعصية الله، فإِن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنَّ الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إِما في بدنه أو في [¬١] دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حال الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. كما في سورة الأعراف في صفة محمَّد ﷺ: أنَّه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.
قال ابن أبي حاتم (¬١١٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله
Juz 5, hlm. 60 ›
ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن عديّ بن حاتم وزيد بن مهلهل [¬١] الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله: قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل] [¬٢]: الطيبات [¬٣] ما [¬٤] أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق.
وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي، فقال: ليس هو من الطيبات. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس؛ فقال: ليس هو من الطيبات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه [¬٥] بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها [¬٦]، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني: الكلاب الضواري، والفهود والصقور وأشباهها.
رواه ابن أبي حاتم (¬١١٨)، ثمَّ قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن
Juz 5, hlm. 61 ›
أبي كثير نحو ذلك، وروي عن الحسن أنَّه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروي عن علي بن الحسين مثله. ثمَّ روى عن مجاهد أنَّه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله [¬١] تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي، ثمَّ قال (¬١١٩):
حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البزاة وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك، وإِلا فلا تطعمه.
قلت: والمحكي عن الجمهور، أن [الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب] [¬٢]؛ لأنها تكلب الصيد بمخالبها [¬٣]، كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو [¬٤] مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير. واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "ما أمسك عليك فكل" (¬١٢٠).
واستثنى الإِمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله، ولا يحل اقتناؤه، لما
Juz 5, hlm. 62 ›
Pembahasan ayat ini masih 13 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.