تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ يعني: إنّه تعالى قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه، وغفران من أراد إسعاده، وإنقاذه من الهلكة من خلقه؛ لأنّ الخلق كلّهم عبيده، وملكه، يتصرّف فيهم كيف يشاء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخّر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿لَهُ مُلْكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي الفعل: ﴿تَعْلَمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعذب الذي، أو: شخصا يشاء تعذيبه، وجملة:
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها، وهو أقوى من اعتبارها في محلّ نصب حال من لفظ الجلالة، وجملة: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، إفرادا، وجملا. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٧].
﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾
المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى قصّة ابني آدم، وإقدام الأخ على قتل أخيه بسبب البغي، والحسد، وذكر أحكام البغاة، والسّرقة؛ أعقب ذلك بذكر أمر المنافقين، وأمر اليهود في حسدهم للرّسول ﷺ وتربّصهم به، وبأصحابه الدّوائر، وأمر الله رسوله ﷺ أن لا يحزن لما يناله من أذاهم، فالله سيعصمه من كيدهم، وينجّيه من مكرهم. ثمّ ذكر ما أنزل الله في التوراة من أحكام نورانيّة، وفوائد ربّانيّة.
Juz 3, hlm. 106 ›
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ..﴾. إلخ: لمّا بيّن الله في الآية السابقة: أنّه مالك الملك؛ أمر نبيّه ﷺ بتفويض الأمر إليه، وعدم المبالاة بمكايد الأعداء، وناداه بهذا النداء، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ولم يخاطبه بوصف الرّسالة في جميع القرآن إلا في موضعين في هذه السورة: هذا، وما يأتي في الآية رقم [٦٧]، وبقيّة خطاباته بوصف النبوّة، وكلا النّداءين فيهما تشريف، وتكريم له ﷺ.
﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يقعون في الكفر سريعا، أي: في إظهاره، والجهر به إذا وجدوا فرصة. والمراد: المنافقون؛ الذين قال الله فيهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإنّهم أظهروا الإيمان بالقول، وأخفوا الكفر في القلوب. والمعنى:
لا تهتمّ يا محمد بهم، ولا تبال بكفرهم، فإنّك منصور عليهم، ومحفوظ من شرّهم، فإنهم لن يضروك أبدا.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: وطائفة من اليهود كذلك يسارعون في الكفر، ويؤذونك. ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ:﴾ أي: إنّ سفلة اليهود، والمنافقين يسمعون الكذب من الأحبار من تحريف التوراة، والبهتان، والافتراء. وقيل: المعنى: يسمعون كلامك يا محمد؛ ليكذبوا عليك، وذلك: أنّهم كانوا يسمعون من رسول الله ﷺ ثمّ يخرجون من عنده، ويقولون: سمعنا كذا، وكذا، ولم يسمعوا منه، بل كذبوا عليه عند عامّتهم، يريدون تشويه سمعته، وتحريف رسالته، ونبوّته.
﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ المراد: بنو قريظة الذين كانوا يسكنون المدينة مع النّبيّ ﷺ فكانوا ينقلون الكلام لقوم آخرين هم أهل خيبر محرّفا، ومزيفا، فقد كان بنو قريظة جواسيس، وعيونا على النّبيّ ﷺ. ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يعني: إنّ أهل خيبر لم يأتوك، ولم يحضروا عندك يا محمد!.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أي: يغيّرون حدود الله الّتي أوجبها عليهم في التّوراة،
وذلك: أنّهم بدّلوا الرّجم بالجلد، والتّحميم. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّهم يغيّرون ما يسمعون من النّبيّ ﷺ بالكذب عليه. هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ وقال في الآية رقم [١٣] وفي سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ والفرق بينهما: أنا إذا فسّرنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ بالتّأويلات الباطلة، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ:﴾ أنّهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيها بيان: أنّهم يحرفون تلك اللّفظة من الكتاب، وأما قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ ففيه دلالة على أنّهم جمعوا الأمرين: يعني أنّهم كانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يحرّفون اللّفظة من الكتاب، ففي قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ إشارة إلى التأويل الباطل، وفي قوله:
﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ إشارة إلى إخراجه من الكتاب بالكلّية. انتهى. خازن. وانظر شرح ﴿الْكَلِمَ﴾ في الآية رقم [١٣]. وملخص الكلام: أنّ لليهود صفتين بارزتين: الأولى: سماع
Juz 3, hlm. 107 ›
الكذب من أحبارهم، ونقله إلى عوامّهم. والثانية: وسماع الحق منك يا محمد! ونقله لأحبارهم؛ ليحرفوه. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: علماء اليهود لسفلتهم. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ يعني:
إن أفتاكم محمّد بالجلد، والتّحميم؛ فاقبلوا منه، واعلموا به. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: وإن لم يفتكم بذلك، وأفتاكم بالرّجم؛ فاحذروا أن تقبلوا منه.
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلالته في الدنيا، وعقوبته في الآخرة. ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً:﴾ فلن تقدر على دفع أمر الله فيه. وفيه ردّ على من يقول بالصّلاح، والأصلح، وعلى من يقول: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه كالمعتزلة. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم من رجس الكفر، وخبث الضّلالة، كاليهود، ونفاق المنافقين.
وفي هذه الآية دلالة على أنّ الله لم يرد إسلام الكافر، وأنّه لم يطهّر قلبه من الشكّ، والشّرك، ولو فعل ذلك لامن. وهذه الآية من أشد الآيات على القدريّة.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ قيل: هو فضيحتهم حين أنكروا الرّجم، ثمّ أحضرت التوراة فوجد فيها الرّجم. وقيل: خزيهم بأخذ الجزية منهم، والقتل، والسّبي، والطّرد من أرض الحجاز إلى غيرها. وخزي المنافقين بالفضيحة، وهتك أستارهم بإظهار نفاقهم، وخبثهم، ومكرهم. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ:﴾ هو الخلود في جهنم، قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: الآية جاءت تسلية للرسول ﷺ، وتخفيفا عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر، وقطعا لرجائه من إسلامهم، وفلاحهم.
هذا والخزي، والإخزاء هو: الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني وهو شاعر جاهليّ: [البسيط]
لاه ابن عمّك (¬١) ... لا أفضلت في حسب
عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهذا هو الشّاهد رقم [٢٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ومنه قول حسّان بن ثابت ﵁-يخاطب به من شجّ وجه النّبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك (¬٢) ... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق (¬٣)
وهو على هذا من الرّباعي، من: أخزى، يخزي، وهو من الثّلاثي: خزي، يخزى، خزاية بمعنى: استحيا، وخجل. قال نهشل بن حريّ الدّارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه، وكان قتل بصفين مع الإمام عليّ، كرّم الله وجهه: [الطويل]
Juz 3, hlm. 108 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.