التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
جهوري الصوت، وكان إذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول الله ﷺ، فيتأذّى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
نزول الآية (٣):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾:
أخرج ابن جرير عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عدي بن العجلان، فقال:
ما يبكيك؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ، وأنا صيّت رفيع الصوت، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فدعا به، فقال: أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ قال: رضيت، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ﴾ الآية.
والقصة مروية أيضا في الصحيحين عن أنس بن مالك.
وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ﴾ تألّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السّرار (¬١)، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾.
نزول الآية (٤):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ.﴾.: أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: جاء ناس من العرب إلى حجر النبي ﷺ، فجعلوا ينادون:
يا محمد، يا محمد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ الآية.
Juz 26, hlm. 217 ›
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبي ﷺ: ذاك هو الله، فنزلت:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ الآية. وهو خبر مرسل له شواهد مرفوعة من حديث البراء وغيره عند الترمذي، بدون نزول الآية، وأخرج ابن جرير نحوه عن الحسن.
وأخرج أحمد بسند صحيح عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، فلم يجبه، فقال: يا محمد، إن حمدي، لزين، وإن ذمي لشين، فقال «ذلكم الله».
وقال محمد بن إسحاق وغيره: نزلت في جفاة بني تميم، قدم وفد منهم على النبي ﷺ، فدخلوا المسجد، فنادوا النبي ﷺ من وراء حجرته أن اخرج إلينا يا محمد، فإن مدحنا زين، وإن ذمنا شين، فآذى ذلك من صياحهم النبي ﷺ، فخرج إليهم، فقالوا: إنا جئناك يا محمد نفاخرك، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. وكان فيهم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم.
التفسير والبيان:
هذه باقة من الآداب الخاصة في معاملة النبي ﷺ من قبل المؤمنين على أساس من التوقير والاحترام والتعظيم.
١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يا أيها المؤمنون إيمانا صحيحا، لا تتقدموا ولا تتعجلوا بقول أو حكم أو قضاء في أمر ما أو فعل قبل قضاء الله تعالى ورسوله ﷺ لكم فيه، فربما تقضون بغير حق، واتقوا الله في كل أموركم، وراقبوه في عدم تخطي ما لم
Juz 26, hlm. 218 ›
يأذن به الله تعالى ورسوله ﷺ، فإن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم ونياتكم، لا يخفى عليه شيء منكم.
وهذا نهي واضح عن مخالفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وذكر الرسول، لأنه مبلّغ عن الله تعالى شرعه ودينه. قال ابن عباس في الآية:
لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله تعالى ورسوله ﷺ من شرائع دينكم.
والآية شاملة أيضا ترتيب مصادر الاجتهاد،
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن معاذ بن جبل ﵁، حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله» وهذا يعني أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه لكان تقديما بين يدي الله ورسوله. والخلاصة: هذا أدب شامل القول والفعل والاجتهاد، ثم ذكر الله تعالى أدبا في القول فقال:
٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله إذا تكلمتم مع الرسول ﷺ فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، لأن رفع الصوت يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، وخفض الصوت وعدم رفعه من التعظيم والتوقير. وهذا أدب ثان أدّب الله تعالى به المؤمنين، وهو أدب محمود مع كل الناس أيضا.
٣ - ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي وإذا كلمتموه فخاطبوه بالسكينة والوقار، خلافا لما تعتادونه من الجهر بالقول الدائر بينكم، ولا تقولوا: يا محمد ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرا له،
Juz 26, hlm. 219 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.