تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
في السّماء، والعلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذه؛ أخذ بحظّه، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة، وابن حبّان.
الإعراب: ﴿دَرَجاتٍ:﴾ بدل من: ﴿أَجْراً﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. وقيل: هو حال. وقيل: منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو توكيد ل (﴿أَجْراً﴾) وهو أضعفها، وأقواها الأول. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:
﴿دَرَجاتٍ﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً:﴾ معطوفان على: ﴿دَرَجاتٍ﴾. وقيل: هما مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: غفر لهم مغفرة، ورحمهم رحمة. وحذف متعلّقها اكتفاء بمتعلّق: ﴿دَرَجاتٍ﴾.
وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ..﴾. إلخ: نزلت الآية الكريمة في أناس تكلّموا بالإسلام، ولم يهاجروا: منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلمّا خرج المشركون إلى بدر، خرجوا معهم، فقتلوا مع الكفار الذين قتلوا في بدر، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا على الخروج مع المشركين، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية الكريمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ:﴾ يجوز أن يكون هذا الفعل ماضيا، وإنّما لم تلحقه علامة التأنيث للفصل بين الفعل وفاعله بالضّمير المنصوب، ولأنّ لفظ الملائكة من التأنيث المجازي، ولأنّه جمع تكسير، ويؤيد ذلك قراءة: («توفتهم»)، ويجوز أن يكون مضارعا أصله: تتوفاهم، فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أصله: تتصدى، وهو كثير في كلام الله تعالى.
والتوفّي هنا فيه قولان: أحدهما: أنّه قبض أرواحهم. الثاني: أنّه حشرهم، وسوقهم إلى النّار. فعلى الثاني يكون المراد بالملائكة: الزّبانية؛ الذين يتولّون تعذيب الكفار. والمعتمد هنا الأوّل. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (السّجدة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، ولولا الإطالة؛ لذكرته هنا بحذافيره.
﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ المشركون ظالمون لأنفسهم بالشرك. وقيل: المراد: المسلمون الذين أقاموا في دار الشرك بعد إسلامهم مع قدرتهم على الهجرة؛ لأنّ الله لم يقبل الإسلام من أحد
Juz 2, hlm. 587 ›
بعد هجرة النّبيّ ﷺ حتّى يهاجر إليه، ثمّ نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة». أخرجاه في الصّحيحين.
﴿قالُوا:﴾ أي: قالت الملائكة؛ الذين يتوفون أولئك المذكورين: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ خطاب للمذكورين، وهو سؤال توبيخ، وتقريع. أي: أكنتم في أصحاب النبي ﷺ أم كنتم مع المشركين؟ و ﴿فِيمَ﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف «في» الجارة، والاسم: «ما» الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جارّ، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿*عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشّعرية قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
وأيضا قول عمرو بن معديكرب-﵁، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من كتابنا المذكور-: [الطويل]
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟
وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر في قول حسّان بن ثابت-﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر]
على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان
﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مكّة. اعتذروا عن الهجرة، وموالاة الكفّار بعجزهم، وضعفهم. وهذا اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل. ﴿قالُوا﴾ أي:
الملائكة موبخين، ومؤنّبين لهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أي: فتخرجوا من مكة إلى بلد تكونون فيه أحرارا في عقيدتكم، وعبادتكم، كما فعل المؤمنون الصادقون؛ حيث هاجروا أولا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة المنورة. ويفيد هذا السؤال، والجواب: أنّهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين؛ لم يقل لهم شيء من هذا.
﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ أخبر الله تعالى: أنّهم في جهنّم لتقصيرهم، وتقاعسهم عن الهجرة.
﴿وَساءَتْ:﴾ فعل ذمّ يجري مجرى: «بئس». ﴿مَصِيراً:﴾ مقرّا، ومآلا، وكانت الهجرة واجبة على كلّ من أسلم، وانظر الآية رقم [٨٩].
تنبيه: في الآية الكريمة دليل على أنّ الإنسان إذا كان في بلد، لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق، أو علم: أنّه في غير بلده أقوم بحقّ الله، وأدوم على العبادة؛ حقّت عليه المهاجرة. وعن النبي ﷺ: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا
Juz 2, hlm. 588 ›
من الأرض استوجبت له الجنّة، وكان رفيق إبراهيم، ونبيّه محمّد». عليهما ألف صلاة، وألف سلام.
﴿مَأْواهُمْ:﴾ مستقرهم، وملجؤهم. ﴿جَهَنَّمُ،﴾ والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأمّا المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدّم المأوى على المثوى في كثير من الآيات؛ لأنّه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي.
أمّا ﴿كُنْتُمْ﴾ فأصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلهما، فصار (كانتم) فالتقى ساكنان: الألف، وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثمّ أبدلت الفتحة ضمّة لتدلّ على الواو المحذوفة، فصار ﴿كُنْتُمْ﴾. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل به ضمير رفع متحرك؛ نقل إلى باب فعل، فصار: كونت، ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: كونت فالتقى ساكنان: العين المعتلّة ولام الفعل، فحذفت عين الفعل، وهي الواو لعلّة الالتقاء، فصار: كنت، وهكذا قل في إعلال كلّ فعل أجوف، واوي، مسند إلى ضمير رفع متحرك. مثل: قام، وقال، ونحوهما.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿تَوَفّاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، أو هو فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ظالِمِي:﴾ حال من الضمير المنصوب، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿فِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) مقدّم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والرابط محذوف، التقدير: قالوا لهم... إلخ. وقيل: إنّ الخبر محذوف، تقديره: هلكوا، فتكون جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مبينة لتلك الجملة المحذوفة. وقيل: إنّ الخبر الجملة الاسمية: ﴿فَأُولئِكَ..﴾. إلخ، ودخلت الفاء على الخبر زائدة؛ لأنّ الموصول يشبه الشّرط في العموم. والمعتمد الأوّل.
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿مُسْتَضْعَفِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب،
Juz 2, hlm. 589 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.