بعد هجرة النّبيّ ﷺ حتّى يهاجر إليه، ثمّ نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة». أخرجاه في الصّحيحين.
﴿قالُوا:﴾ أي: قالت الملائكة؛ الذين يتوفون أولئك المذكورين: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ خطاب للمذكورين، وهو سؤال توبيخ، وتقريع. أي: أكنتم في أصحاب النبي ﷺ أم كنتم مع المشركين؟ و ﴿فِيمَ﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف «في» الجارة، والاسم: «ما» الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جارّ، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿*عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشّعرية قول الكميت، وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
وأيضا قول عمرو بن معديكرب-﵁، وهو الشّاهد رقم [٢٥٠] من كتابنا المذكور-: [الطويل]
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟
وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر في قول حسّان بن ثابت-﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر]
على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان
﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مكّة. اعتذروا عن الهجرة، وموالاة الكفّار بعجزهم، وضعفهم. وهذا اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل. ﴿قالُوا﴾ أي:
الملائكة موبخين، ومؤنّبين لهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أي: فتخرجوا من مكة إلى بلد تكونون فيه أحرارا في عقيدتكم، وعبادتكم، كما فعل المؤمنون الصادقون؛ حيث هاجروا أولا إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة المنورة. ويفيد هذا السؤال، والجواب: أنّهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين؛ لم يقل لهم شيء من هذا.
﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ أخبر الله تعالى: أنّهم في جهنّم لتقصيرهم، وتقاعسهم عن الهجرة.
﴿وَساءَتْ:﴾ فعل ذمّ يجري مجرى: «بئس». ﴿مَصِيراً:﴾ مقرّا، ومآلا، وكانت الهجرة واجبة على كلّ من أسلم، وانظر الآية رقم [٨٩].
تنبيه: في الآية الكريمة دليل على أنّ الإنسان إذا كان في بلد، لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق، أو علم: أنّه في غير بلده أقوم بحقّ الله، وأدوم على العبادة؛ حقّت عليه المهاجرة. وعن النبي ﷺ: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا