تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل غضب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، تدلّ عليها الجملة الشرطية، التقدير: حكم الله بأنّ جزاءه ذلك، وغضب عليه. والجملتان بعدهما معطوفتان أيضا عليها، والجملة المقدّرة، وما عطف عليها كلّها في محل نصب حال مثل: ﴿خالِداً فِيها﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، والاستئناف ممكن.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ سافرتم، وذهبتم إلى الغزو في سبيل إعلاء كلمة الله. فقد استعير الضّرب للسّعي في قتال الأعداء، واستعير السّبيل له لدين الله. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ من التبيين، أي: فاطلبوا بيان الأمر، ولا تعجلوا فيه.
وقرئ: («فتثبتوا») من الثبات، وهو قريب من معنى الأول. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً:﴾ حيّاكم بتحية الإسلام، وتنفون إيمانه، وتقولون: قالها خوفا، وتقيّة من قتله.
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ تطلبون الغنيمة بقتله، الّتي هي من حطام الدنيا، سريعة النّفاد، والذّهاب.
﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ:﴾ هذه عدة من الله تعالى بما يأتي به في المستقبل على وجهه، ومن حله دون ارتكاب محظور، فلا تتهافتوا. ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منهم على أنفسكم. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ فتكرّم الله عليكم بإعزاز الدين، وغلبة المشركين حتّى أظهرتم. ﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ أعاد الأمر بالتّبيين للتّأكيد. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً:﴾ تحذير من مخالفة أمر الله، أي: احفظوا أنفسكم، وجنّبوها الزّلل، والخطأ الموبق. وفي الآية الكريمة ردّ على المعتزلة، والقدرية، فإنّ الله ﷿ أخبر: أنّه منّ على المؤمنين من بين الخلائق حيث خصّهم بالتّوفيق، والهداية للإيمان، وخذ ما يلي:
قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية الكريمة في رجل من بني مرّة بن عوف، يقال له: مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله ﷺ تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له: غالب بن فضالة الليثي، فهربوا منه، وأقام ذلك الرّجل المسلم، فلمّا رأى الخيل؛ خاف ألا يكونوا مسلمين، فألجأ غنمه إلى سفح جبل، وصعد هو الجبل، فلمّا تلاحقت الخيل؛ سمعهم يكبّرون، فعرف: أنّهم من أصحاب رسول الله ﷺ، فكبّر؛
Juz 2, hlm. 579 ›
ونزل، وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السّلام عليكم، فتغشّاه أسامة بن زيد-﵁-بسيفه، فقتله، واستاق غنمه، ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ، وأخبروه الخبر، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبر، فقال رسول الله ﷺ: «أقتلتموه إرادة ما معه؟!»، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ على أسامة هذه الآية، فقال أسامة-﵁: يا رسول الله استغفر لي! فقال: «كيف أنت بلا إله إلاّ الله؟!» يقولها ثلاث مرات. قال أسامة-﵁:
فما زال رسول الله ﷺ يكرّرها حتى وددت أنّي لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي رسول الله ﷺ، وقال: «أعتق رقبة»، وبعث رسول الله ﷺ ديته إلى أهله، وردّ عليهم غنيماته. وفي الآية دليل على صحّة إيمان المكره، وأنّ المجتهد قد يخطئ، وأنّ خطأه مغتفر.
وروى أبو ظبيان عن أسامة-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! إنّما قالها خوفا من السّلاح، فقال ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها خوفا أم لا؟». خازن.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والذي عليه الأكثر، وهو في سيرة ابن إسحاق، ومصنف أبي داود، والاستيعاب لابن عبد البر: أنّ القاتل محلّم بن جثّامة، والمقتول عامر بن الأضبط، فقد دعا رسول الله ﷺ على محلّم، فما عاش بعد ذلك إلا سبعا، ثم دفن؛ فلم تقبله الأرض، ثمّ دفن فلم تقبله، ثمّ دفن ثالثة فلم تقبله، فلمّا رأوا: أنّ الأرض لا تقبله ألقوه في بعض الشّعاب. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الأرض لتقبل من هو شرّ منه».
هذا؛ وعرض الحياة الدنيا: حطامها الفاني، وإنّما سمّى سبحانه منافع الدنيا: عرضا؛ لأنّه لا ثبات له، ولا دوام. ومنه: الدّنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ، والفاجر، فكأنّها تعرض، ثم تزول، بخلاف منافع الآخرة فإنّها دائمة لا انقطاع لها. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال:
«ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى النّفس». وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى، فنظمه: [الطويل]
تقنّع بما يكفيك واستعمل الرّضا... فإنّك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنّما... يكون الغنى والفقر من قبل النّفس
ورحم الله من قال: [الطويل]
غنى النّفس ما يكفيك من سدّ خلّة... فإن زاد ما يكفيك عاد الغنى فقرا
و ﴿عَرَضَ﴾ بفتح العين والرّاء هنا، وهو بضم العين وسكون الراء: ناحية الشيء، من أي وجه جئته، وهو بفتح العين وسكون الراء: ضد الطول، وهو بكسر العين وسكون الراء: النفس، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، وهو أيضا: رائحة الجسد، وغيره، طيبة كانت، أو خبيثة، يقال: فلان طيّب العرض، أو: منتن العرض.
Juz 2, hlm. 580 ›
﴿لَسْتَ:﴾ حذف عينه لالتقاء السّاكنين: الياء والسين، إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التّخفيف بالتّسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتَ﴾.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). و (ها): حرف تنبيه، لا محلّ له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من: (﴿أَيُّهَا﴾). وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.
﴿ضَرَبْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿فَتَبَيَّنُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾. (تبينوا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام متصل بالجملة الندائية لا محلّ له مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.
(لا): ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها الآتي معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿أَلْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿إِلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿السَّلامَ:﴾ مفعول به. ﴿لَسْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمها.
﴿مُؤْمِناً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿تَبْتَغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرّابط الضمير فقط.
﴿عَرَضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف. و ﴿الْحَياةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة:
﴿الْحَياةِ:﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿فَعِنْدَ:﴾ الفاء:
أراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: وإذا كنتم تبتغون عرض الحياة الدنيا؛ فعند الله... إلخ. (عند): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدّم، و (عند) مضاف،
Juz 2, hlm. 581 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.