تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطّاعات، المعرض عن الانهماك في اللّذات، والشّهوات.
وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى:
مجروح. فعلى هذا هو: من يتولّى الله حفظه، ورعايته، فلا يكله إلى غيره، ونفسه طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. الوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة الله تعالى من غير أن يتخلّلها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية.
فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّ من شروط النّبيّ أن يكون معصوما، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمّة الطّريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى. وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليّا؛ فقد آذنته بالحرب».
هذا؛ والفعل (﴿كَفى﴾) بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ وانظر:
الآية رقم [٦] ففيها فضل زيادة.
الإعراب: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾): مبتدأ، وخبر. ﴿بِأَعْدائِكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. (﴿كَفى﴾): فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (﴿اللهُ﴾): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقيل: الباء أصلية، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، على أنّهما مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: الاكتفاء. والمعتمد الأول. ﴿وَلِيًّا:﴾ تمييز.
وقيل: حال. والمعتمد الأول، وجملة: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (٤٦)﴾
الشرح: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا:﴾ هم اليهود سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل، من: «هاد» بمعنى: تاب، ورجع، ومنه قوله تعالى، حكاية عن قولهم في سورة (الأعراف) رقم [١٥٦]: ﴿إِنّا﴾
Juz 2, hlm. 471 ›
هُدْنا إِلَيْكَ أو سمّوا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب، وهو أكبر أولاده. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أي: يغيّرون كلام الله في التوراة، ويبدّلونه، فكانوا يغيّرون صفات الرّسول ﷺ الموجودة في التوراة، فقد وضعوا مكان أبيض ربعة: آدم طوال، وهكذا. وقال ابن عباس-﵄: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ، فيسألونه عن الأمر، فيخبرهم به، فيرى: أنّهم يأخذون بقوله، فإذا خرجوا من عنده؛ حرّفوا كلامه. وانظر الآية رقم [٤١٢] من سورة (المائدة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقرئ: «الكلم» بكسر الكاف وسكون اللام، وبفتح الكاف وكسر اللام، وهو جمع:
كلمة، وهو مؤلف من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة، أم لم يفد. وأمّا الكلام فلا يكون إلا من كلمتين، أو أكثر، أفاد فائدة يحسن السكوت عليها، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
كلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم
واحده كلمة والقول عم...
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا﴾ أي: قولك بآذاننا. ﴿وَعَصَيْنا:﴾ أي: أمرك بقلوبنا، وجوارحنا. وذلك:
أنّهم كانوا إذا أمرهم النبيّ ﷺ بأمر؛ قالوا في الظاهر: سمعنا، وقالوا في الباطن: عصينا. وهذا أبلغ في الكفر، والعناد. ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت؛ والكلام ذو وجهين: يحتمل الخير، والشرّ، فأصله للخير، أي: لا سمعت مكروها، ولكن اليهود اللّؤماء، كانوا يقصدون به الدّعاء على الرسول ﷺ؛ أي: لا أسمعك الله، وهو دعاء عليه بالصّمم، أو بالموت. أو: اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه. أو:
اسمع كلاما غير مسمع إيّاك؛ لأنّ أذنك تنبو عنه.
﴿وَراعِنا﴾ معناها في العربية: أنظرنا، وتمهّل علينا، وهي في لغة اليهود سبّ من الرّعونة، وكانوا يقولون لأصحابهم: إنّنا نشتم محمدا، ولا يعرف، ولو كان نبيّا؛ لعرف ذلك، فأطلعه الله على خبث ضمائرهم، وسوء نيّاتهم، وما في قلوبهم من العداوة، والبغضاء. ومثل هذه الآية في معناها، ومغزاها قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا..﴾. إلخ.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ أي: صرفا للكلام عن نهجه الصّحيح إلى نسبة السّبّ؛ حيث وضعوا:
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ موضع: لا سمعت مكروها، وأجروا: راعنا، مجرى: أنظرنا. وأصل ليّا: لويا فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء. وأصل اللّي: فتل الحبل، فاستعير هنا للكلام الذي قصد به غير ظاهره.
(ألسنتهم): جمع لسان، وهو على هذا مذكّر، كحمار، وأحمرة، ويجمع أيضا على:
ألسن. وهو على هذا مؤنّث، كذراع، وأذرع. ويجمع أيضا على: لسن بضم اللام، وضم
Juz 2, hlm. 472 ›
السين، وتسكينها أيضا، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللّسان كناية عن كلمة السّوء، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا
فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو القصيدة من الشّعر، كقول الآخر: [المتقارب]
أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر
وقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى: من علو-بضم الواو، وفتحها، وكسرها-أي أتاني خبر من أعلى.
والتأنيث للكلمة، وقد أطلق الله اللّسان على القرآن بكامله مع التّذكير في سورة (النّحل) حيث قال جلّ ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذّكر الحسن في قوله جلّ ذكره في سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
﴿وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ أي: استهزاء، وسخرية. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي: قالوا بدل:
﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا:﴾ ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾. ﴿وَاسْمَعْ:﴾ أي: بدل: لا سمعت. ﴿وَانْظُرْنا:﴾ أي: بدل قولهم: ﴿وَراعِنا﴾. ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي: قولهم ذلك أفضل. ﴿وَأَقْوَمَ﴾ أي: أعدل، وأصوب، وأنجى لهم في الدنيا، والآخرة. وانظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [١٠٤] فإنّه جيّد. والحمد لله!.
﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم من رحمته، وأبعدهم من رضوانه بسبب كفرهم بمحمّد ﷺ. وانظر «اللّعن» في الآية رقم [٦١] من سورة (آل عمران). ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: فلا يؤمن من اليهود إلا نفر قليل، مثل: عبد الله بن سلام، وأصحابه. أو المعنى: إلا إيمانا قليلا ضعيفا، لا يعبأ به، وهو إيمانهم بأنّ الله خالقهم، ورازقهم، أو أراد بالقلّة: العدم، كقول الشاعر: [الطويل]
قليل التّشكّي للمهمّ يصيبه
أي: عديم التشكي. هذا؛ وقال الله هنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾. وقال تعالى في سورة (المائدة): ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ فالأوّل بمعنى الإمالة، والإزالة، والتّغيير، والتّبديل. وأمّا
Juz 2, hlm. 473 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.