تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)﴾
الشرح: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ: أي: وأيّة تبعة، ومؤاخذة، ووبال عليهم في الإيمان بالله، واليوم الآخر؟! والجواب: لا تبعة، ولا ضرر عليهم. والمراد: الذمّ، والتّوبيخ للذين أعرضوا عن الإسلام؛ لأنّ الواقع كلّ مصلحة، ومنفعة موجودة في الإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا كقولك للعاقّ: ما ضرّك لو كنت بارّا بوالديك؟! وقد علم: أنّه لا مضرّة في البرّ، والإحسان للوالدين، ولكنّه ذمّ، وتوبيخ. ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً:﴾ تهديد، ووعيد للّذين أعرضوا عن الإيمان بالله، واليوم الآخر... إلخ.
الإعراب: ﴿وَماذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول بمعنى الّذي مبني على السكون في محل رفع خبره.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صلة (﴿ذا﴾). هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿ماذا﴾) اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، والجار والمجرور: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة (﴿الْيَوْمِ﴾). و (﴿لَوْ﴾) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بحرف جر محذوف. انظر تقديره في الشّرح. وقيل: هي الامتناعية جوابها محذوف، التقدير: لو آمنوا؛ لم يضرّهم الإيمان شيئا. والأول أقوى.
﴿وَأَنْفَقُوا:﴾ معطوف على: ﴿آمَنُوا،﴾ ويقدّر مثله بمصدر، انظر الشرح. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿رَزَقَهُمُ اللهُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وأنفقوا من الذي، أو من شيء رزقهم الله إيّاه. ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً:﴾ إعرابها واضح إن شاء الله.
والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان ب ﴿عَلِيماً﴾ بعدهما.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: إنّ الله لا يبخس الناس، ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرّة، بل يجازيهم بها، ويثيبهم عليها، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وفي صحيح مسلم: عن أنس-رضي الله
Juz 2, hlm. 457 ›
عنه-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدّنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأمّا الكافر؛ فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدّنيا؛ حتّى إذا أفضى إلى الآخرة؛ لم يكن له حسنة يجزى بها». هذا والذّرّة: النّملة الحمراء الصّغيرة، وتقال لكلّ جزء من أجزاء الهباء المنتشر في الفضاء، وهي لا ترى إلا في ضوء الشّمس الدّاخل إلى مكان مظلم.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ أي: يكثر ثوابها، ويبارك فيها، قال قتادة-رحمه الله تعالى-:
لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرّة أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها. وفي الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطّويل، وفيه: «فيقول الله ﷿: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار».
وفي لفظ: «أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه من النّار. فيخرجون خلقا كثيرا». ثمّ قال أبو سعيد-﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: قال عبد الله بن مسعود-﵁: يؤتى بالعبد، أو بالأمة، فينادي مناد على رءوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حقّ؛ فليأت إلى حقّه، ثمّ يقول: آت هؤلاء حقوقهم! فيقول: يا ربّ من أين لي، وقد ذهبت الدّنيا عنّي؟! فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى أعماله الصّالحة، فأعطوهم منها. فإن بقي منها مثقال ذرّة من حسنة؛ قالت الملائكة: يا رب-وهو أعلم بذلك منهم-قد أعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وبقي مثقال ذرّة من حسنة، فيقول الله تعالى للملائكة: ضعّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنّة. ومصداقه:
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ..﴾. إلخ. وإن كان عبدا شقيّا؛ قالت الملائكة: إلهنا! فنيت حسناته، وبقيت سيّئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم، وأضيفوها إلى سيّئاته، ثمّ صكّوا له صكّا إلى النّار.
فالآية على هذا التفسير في الخصوم، وأنّه تعالى لا يظلم مثقال ذرّة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له، بل يثيبه عليها، ويضعفها له، وقد تقدّم في الآية رقم [٢٨] عن ابن عبّاس-﵄: أنّ هذه الآية إحدى الآيات، الّتي هي خير ممّا طلعت عليه الشّمس.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ يعني: الجنة. والمعنى: يعطي من عنده أجرا عظيما بعد مضاعفة الحسنة الّتي توفرت له. قال أبو هريرة-﵁: إذا قال الله ﷿: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ فمن يقدر قدره؟! وفيه إبطال قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة مع أنّ له حسنات كثيرة، وأعمالا صالحات.
هذا؛ والضّعف بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشّيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه:
أمثاله، هذا هو الأصل في الضّعف، ثمّ استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزّيادة حدّ، فيقال:
Juz 2, hlm. 458 ›
هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله، فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ بعضهم في سورة (الأحزاب): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي هذه السورة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بتثليث الضّاد معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]
في الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ
هذا؛ و (لدن) بمعنى: عند، وفيها إحدى عشر لغة، أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلّما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحّضت للزّمان؛ لأنّ ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لما لم يتمحّض. (لدن) في الأصل للزّمان. وإذا أضيفت للضمير وجب إثبات النون؛ لأنّه لا يقال: لده، ولا لدك. وانظر الآية [٨] من سورة (آل عمران).
﴿تَكُ:﴾ أصله تكون، فلمّا دخل الجازم؛ صار: «إن تكون» فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون الساكنة للتخفيف ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته ممّا اختصت به كان: [الرجز]
ومن مضارع لكان منجزم... تحذف نون وهو حذف ما التزم
ولحذف النون شروط: أن يكون مضارعا مجزوما بالسّكون، وأن لا يكون بعده ساكن، ولا ضمير متّصل كما في الآية الكريمة، وغيره كثير، ومثلها كثير في الشّعر العربي، ولا تحذف عند فقد أحد الشروط إلا في ضرورة الشّعر، كما في قول الخنجر بن صخر الأسدي-وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وأيضا قول الآخر: وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من الكتاب المذكور: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
وقرئ شاذّا قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب...» إلخ. ولم تحذف في قول أبي الأسود الدؤلي لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
Juz 2, hlm. 459 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.