تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْخَبِيثَ﴾ أي: مستبدلا بالطيب، والباء داخلة على المتروك. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى أَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَمْوالَهُمْ﴾ التقدير: مضافة إلى أموالكم، والهاء، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها، وهي مفيدة للتعليل.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣)﴾
الشرح: روى الأئمة-واللّفظ لمسلم-: عن عروة بن الزبير، عن عائشة-﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ..﴾. إلخ قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها من غير أن يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ من الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. انتهى قرطبي.
هذا؛ و «تقسطوا» من الرّباعي بمعنى: تعدلوا، قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وهو من الثلاثي بمعنى: جار، وظلم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾.
﴿فَانْكِحُوا:﴾ تزوّجوا. ﴿ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ:﴾ ما حلّ لكم من النساء؛ لأنّ منهنّ ما حرم كاللاتي في آية التحريم رقم [٢٢]: الآتية. هذا؛ ووقعت: ﴿ما﴾ على النساء، وهنّ عاقلات، وهي لغير العاقل، كما هو معروف؛ لأنّهن ناقصات العقل، كما وقعت على النساء الإماء أيضا؛ ولأنهن ناقصات العقل أيضا، ولأنّهن يبعن، ويشترين كالبهائم، وتقديم المهر للمرأة الحرّة بمنزلة الثمن للأمة. وأيضا: إنّ «من وما» قد يتعاقبان، وقد يتقارضان، قال تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ انظر سورة (الشمس) وقال تعالى في سورة (النّور): ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ..﴾. إلخ. هذا؛ و «خفتم» أصله: خوفتم، فنقلت حركة الواو إلى الخاء قبلها، بعد سلب فتحتها، فسكنت الواو، ثمّ حذفت لالتقاء السّاكنين، فالكسرة على الخاء للدّلالة على حركة المحذوف، ولو كانت دليلا على المحذوف؛ لكانت ضمّة.
﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ هذه الألفاظ معدولة عن اثنتين اثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع.
وينبغي أن تعلم: أن الواو بمعنى «أو» للتخيير هنا، وليست لمطلق الجمع، ولو كانت كذلك؛ لكان يحلّ للمسلم الجمع بين تسع نسوة، وهو قول الشّيعة، وقد بينت السنة الشّريفة الحجر على المسلم في الجمع بين أكثر من أربع نسوة. وخذ ما يلي:
Juz 2, hlm. 365 ›
عن الحارث بن قيس-﵁، قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «اختر منهنّ أربعا» أخرجه الترمذيّ. وعن ابن عمر-﵄:
أنّ غيلان بن سلمة، أو ابن أمية الثقفي-﵁-أسلم، وتحته عشرة نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا، ويترك سائرهن، فإن ذلك ما اختصّ به ﷺ انظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) بشأن خصوصياته ﷺ؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ ومجيء الواو بمعنى «أو» وارد في لسان العرب بكثرة، منه قول كثيّر عزّة-وهو الشاهد رقم [٦٦٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
وقالوا نأت فاختر لها الصّبر والبكا... فقلت البكا أشفى إذا لغليلي
انظره، وانظر ما بعده من شواهد. ومجيء «أو» بمعنى الواو وارد أيضا في لسان العرب بكثرة، من ذلك قول جرير في مدح الخليفة عمر بن عبد العزيز-﵁: [البسيط]
جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر
انظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب» وانظر ما بعده برقم [٩٦] وما بعده.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ أي: إن خفتم أن لا تقدروا على العدل بين الزّوجات المتعدّدة؛ فاقتصروا على واحدة، ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من الإماء، والسراري؛ أي: وإن خفتم من الجور، وعدم العدل؛ فاقتصروا على حرّة واحدة، وما ملكتم من الإماء، والسّراري؛ إذ ليس لهنّ قسم مثل الزّوجات الحرائر. هذا؛ وأسند تعالى الملك إلى اليمين؛ إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوص بالمحاسن؛ لتمكّنها، ويعبّر باليمين عن القوّة، مثل قوله تعالى في سورة (الصّافات): ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ وقال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾. واليمين هي المبايعة، وبها سمّيت الألية يمينا، وهي الملتقية لرايات المجد، والسّؤدد، كما قال الشّمّاخ في عرابة الأوسي-﵁: [الوافر]
إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين
وقال آخر: [الطويل]
ولمّا رأيت الشّمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني
هذا؛ و «الإيمان» بكسر الهمزة هو التّصديق بالجنان، والإقرار باللّسان، والعمل بالأركان.
ولمّا سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر: خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد كما بينته في الآية رقم [٢]: من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: (لا إله إلاّ الله) وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.
Juz 2, hlm. 366 ›
﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي: ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحقّ، وتجوروا. يقال: الرّجل يعول إذا جار، ومال، ومنه قولهم: عال السّهم عن الهدف: مال عنه. قال ابن عمر-﵁: إنّه لعائل الكيل، والوزن، قال الشاعر: [البسيط]
قالوا اتّبعنا رسول الله واطّرحوا... قول الرّسول وعالوا في الموازين
أي: جاروا. وعال الرّجل، يعيل: إذا افتقر، فصار عالة، ومنه قول تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾. ومنه قول أحيحة بن الجلاح: [الوافر]
وما يدري الفقير متى غناه... وما يدري الغنيّ متى يعيل
وقال الشافعي-﵁: ﴿أَلاّ تَعُولُوا:﴾ ألا تكثر عيالكم. قال الكسائي: العرب تقول: عال، يعول، و: أعال، يعيل: إذا كثر عياله، وقال أبو عمر الدّوري، وكان إماما في اللّغة غير مدافع،: هي لغة حمير، وأنشد قول الشاعر: [الوافر]
وإنّ الموت يأخذ كلّ حيّ... بلا شكّ وإن أمشى وعالا
أي: وإن كثرت ماشيته، وعياله. وقرأ طلحة بن مصرّف: («ألاّ تعيلوا») من: أعال الرّباعي، وهي حجّة للشافعي-﵁.
تنبيه: مسألة تعدّد الزّوجات ضرورة إنسانيّة، اقتضتها ظروف الحياة، وهي ليست تشريعا، فنظمه، وشذّبه، وجعله علاجا، ودواء لبعض الحالات الاضطرارية الّتي يعاني منها المجتمع، مثل: عقم المرأة، وعدم صلاحيتها للوطء في بعض الحالات. وفي الحقيقة: إن تشريع التعدّد مفخرة من مفاخر الإسلام؛ لأنه استطاع أن يحلّ مشكلة اجتماعيّة هي من أعقد المشاكل، التي تعاينها الأمم، والمجتمعات اليوم، فلا تجد لها حلاّ، فهو سلاح يسيء الكثير من المسلمين استعماله بسبب الجور، والظّلم.
إنّ المجتمع كالميزان، يجب أن تتعادل كفتاه، فماذا نصنع حين يختل التوازن، ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرّجال؟ وهو في كلّ زمان، ومكان أكثر من الرّجال، أتحرم المرأة من نعمة الزّوجية، ونعمة الأمومة، ونتركها تسلك طريق الفاحشة، والرذيلة، أم نحلّ هذه المشكلة بتعدّد الزّوجات، وهي طرق فاضلة، نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع؟
وأقرب الأمثلة شاهدا على ما نقول ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث زاد عدد النساء على الرّجال زيادة فاحشة، فأصبح مقابل كلّ شاب ثلاث فتيات، وهي حالة اختلال اجتماعي، فكيف يواجهها المشرّع؟ لقد حلّ الإسلام بتشريعه الرائع بتعدّد الزوجات، بينما وقفت المسيحية حائرة مكتوفة الأيدي، لا تبدي، ولا تعيد.
إنّ الرّجل الأوربي لا يبيح له دينه التعدّد، لكنّه يبيح لنفسه مصاحبة المئات من الفتيات بطريق الرّذيلة، يرى الوالد منهم فتاته مع عشيقها، فيسرّ، ويغتبط، بل ويمهّد لهما السبل المؤدية
Juz 2, hlm. 367 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.