بيان النظم في القرآن الكريم
· محمد فاروق الزين
أم المؤمنين عائشة، وفي مسند أحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت قال رسول الله ﷺ: «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ أي كان منذ الأزل وما زال مشرفا على أعمالكم على الدوام وعالما بها.
ونلاحظ أن السورة افتتحت بتذكير الناس بالقرابات، وأنّ الله تعالى خلقهم من ذكر وأنثى من نفس واحدة، وأمرهم ببرّ الأرحام، تمهيدا لما سيرد في السورة من تنظيم العلاقات العائلية في تشريع الزواج والإرث وعلاقات ذوي القربى واليتامى.
﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (٢)
٢ - ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ اليتامى الذين بكفالتكم، والمقصود تسليم أموالهم لهم بعد وصولهم سنّ البلوغ والرشد، كما سيرد في الآية (٦)، والمقصود أيضا الإنفاق عليهم من أموالهم قبل ذلك ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ المعنى لا تختاروا العمل الخبيث وهو أكل أموال اليتامى، بدلا من العمل الطيب وهو المحافظة عليها، والمعنى أيضا لا تبادروا بأكل أموال اليتامى على أمل تسديدها فيما بعد، أي لا تأخذوا عاجلا بآجل، وأيضا لا تأخذوا الجيد من أملاكهم وتضعوا مكانه الأقل جودة كأخذ العقار الجيد ووضع العقار الأقل قيمة مكانه ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ لا تأكلوا أموالهم فتضمّوها إلى أموالكم لدرجة عدم التفريق بينهما في الإنفاق ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ إنّ أكلكم أموال اليتامى إثم كبير.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣)﴾.
Juz 1, hlm. 308 ›
٣ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي﴾ نكاح ﴿الْيَتامى﴾ لأن الخطاب ينصرف إلى اليتيمات، والإقساط: العدل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٤٩/ ٩]، فيقال أقسط الرجل إذا عدل، أمّا قسط فمعناها جار إذ يقال: قسط الرجل إذا ظلم صاحبه في قسطه أو نصيبه الذي يستحقه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ٧٢/ ١٥].
﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ الكلام لا يزال في اليتامى، فقد كان من عادة البعض في الجاهلية أن يتزوج من النساء اليتيمات اللواتي بكفالته إمّا طمعا بمالهنّ، وإما لكي يقرر لهنّ من الصداق ما هو أقل ممّا يجب لأمثالهنّ، أو يتجاوز على حقوقهنّ في المعاملة لأن اليتيمة لا تجد من يحميها، فنهاهم تعالى عن ذلك وأمرهم في هذه الحالة أن يتزوجوا من النساء الغرائب، أي من غير اليتيمات اللواتي بكفالتهم، إن خافوا عدم العدل في حقوقهنّ، وفي هذه الحالة ينصرف تعبير اليتامى في الآية إلى «أناثهنّ» أي اليتيمات، وينصرف تعبير «النساء» إلى النساء الغرائب من غير اليتيمات، فكأنه تعالى قال دع هؤلاء اليتيمات وتزوج ما أحلّ لك من غيرهنّ من الحرائر أو من ملك اليمين، فيكون تقدير الخطاب كما يلي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ - في نكاح يتامى النساء اللواتي بكفالتكم - ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ - من غيرهن - بدليل قوله تعالى في الآية (١٢٧): ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.
وقالوا أيضا في معاني الآية: إن خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى التي ورد النص فيها بالآية السابقة وكنتم متحرّجين في هذه الأموال حريصين على العدل فيها والمحافظة عليها، فكذلك يجب أن تتحرّجوا في النساء وأن تخافوا الظلم في حقوقهنّ التي أوجبها الله عليكم، ولكم أن تتزوّجوا منهنّ ثنتين أو ثلاثا أو أربعا
Juz 1, hlm. 309 ›
فقط، ولا تزيدوا على ذلك، فإن خفتم الظلم فيهنّ فواحدة تكفي ﴿أَوْ﴾ انكحوا من ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ والنكاح بمعنى العقد الشرعي بين الرجل والمرأة الذي يسبق الدخول، بدليل آية [الأحزاب: ٣٣/ ٤٩]، فملك اليمين لا يعني ملك الوطء دون عقد نكاح، فيكون تقدير الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ﴾ - فانكحوا مثنى وثلاث ورباع من - ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وفق الشروط المذكورة في الآية (٢٥).
﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي إن خفتم ألاّ تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباع فتزوجتم واحدة، أو تزوجتم ملك أيمانكم، فذلك أدنى أي أقرب ألاّ تعولوا، أي أن لا تجوروا ولا تميلوا عن الحق.
وقيل أيضا من معاني الآية أنه إذا خاف المرء عدم الإقساط في اليتامى الذين واللواتي بكفالته فله أن ينكح أمّهات هؤلاء اليتامى اثنتين أو ثلاثا أو أربعا شريطة تحقيق العدالة.
لكن عدنان الرفاعي قرأ النص القرآني على إطلاقه بحيث يكون المعنى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾ أي في النساء المنفردات الفائضات اللاتي لا يجدن أزواجا ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ لأنّ من مقتضيات عدم الجور فيهنّ هو الزواج منهنّ ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي وإن كانت إحداهنّ الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة لكي لا يكون هنالك نساء فائضات منفردات في المجتمع، فهنّ يتيمات بهذا المعنى.
والواضح أن أمر النكاح في الآية يدور حول العدل، ويرتبط به ارتباطا وثيقا مع تقليل عدد الزوجات إلى ما لا يتجاوز الأربع، والواضح أيضا أنه لا يمكن قبول تعدد الزوجات بمعزل عن العدل سواء كان عدد الزوجات أربعا أو أقل، وقد يحاول البعض ممّن انضبع فكره بالتقاليد الغربية والعادات السائدة، أن يبرهن أن القرآن قد هدف إلى إلغاء تعدد الزوجات، رغم أن الآية صريحة في السماح
Juz 1, hlm. 310 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.