تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
فاعله. ﴿ضَعِيفاً:﴾ حال من: ﴿الْإِنْسانُ﴾. وقيل: تمييز، والأوّل أقوى، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، وقبلها «قد» مقدرة؛ لتقرّب الماضي من الحال.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدّقتم بالله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الّذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بهذا النداء في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن، وهذا ثاني نداء في هذه السّورة، وخطاب خوطب به المؤمنون بالنداء الدالّ على الإقبال عليهم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم: أن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنداء؛ لأنّهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ:﴾ فقد أضاف الله الأموال إلى المخاطبين، والمراد أموال غيركم. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وفيه منتهى الزّجر؛ لأنّ الإنسان الكامل يجب عليه أن يحافظ على مال غيره، كما يحافظ على ماله من الضّياع، والهلاك، وهذا من قبيل التعاون الذي حثّ عليه ربّنا، جلّ وعلا، ونبينا ﷺ ذكر مثل ذلك في خطبة الوداع في حجّة الوداع، فقال: «إنّ دماءكم، وأموالكم حرام عليكم... إلخ».
﴿بِالْباطِلِ:﴾ بما لم يبحه الشّرع الشّريف، والدّين الحنيف، وهو يعمّ كلّ مال أخذ بدون وجه شرعيّ، وأبوابه كثيرة متفرّعة، ومتنوعة، أذكر منها على سبيل المثال ما أشاع الفساد، والضّلال: الرّبا بآثامه، وشروره، واستغلال النفوذ بأنواعه، وفجوره، والرّشوة بأنواعها، واحتكار البضائع لبيعها بثمن أعلى، وخزنها، وتصريفها بثمن أغلى، والذين يأخذون معاشاتهم، ولا يؤدّون أعمالهم، ويقبضون أجورهم، ويتهرّبون من واجباتهم، والّذين يسرقون، ويخونون، ويغشّون، ويختلسون. ويدخل في ذلك: القمار، والخداع، والغصب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، كما يؤخذ بالحياء؛ إذ ما أخذ بالحياء؛ فهو حرام، أو حرّمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، مثل حلوان الكهّان، والمنجّمين، والمشعوذين، وأثمان الخمور، والخنازير، وأثمان الملاهي الشّاغلة عن ذكر الله تعالى، وربحها، بل وتجارتها حرام، والغبن الفاحش في البيع والشراء، وأفحش ذلك أكل مال اليتيم بغير حقّ، كما رأيته في الآية رقم [١٠].
Juz 2, hlm. 430 ›
ومن الأكل بالباطل: أن يحكم الحاكم لك؛ وأنت تعلم أنّك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء الحاكم؛ لأنّه يقضي بالظاهر. فقد روى الأئمّة عن أمّ سلمة-﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قطعت له من حقّ أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من نار». وفي رواية أخرى: «فليحملها، أو ليذرها».
هذا؛ والباطل: ضد الحقّ، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ و «بطل» من باب دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل: بضم فسكون: الباطل، والكذب، والزور، والبهتان، والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ومبطل: اسم فاعل من: أبطل الرّباعي، والباطل في قوله تعالى في سورة (فصلت):
﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال قتادة، والسّدي: الباطل: الشّيطان لا يستطيع أن يغيّر في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرّسول ﷺ: «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة (البقرة) السّحرة. هذا؛ ويجمع «باطل» على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع حديث، وعريض، وفظيع. وفي القرطبي: وجمع الباطل: بواطل، والأباطيل جمع: البطولة، ولم أجده في كتب اللغة.
﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً:﴾ أي: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والتّجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه: الأجر، والثواب؛ الّذي يعطيه الله تعالى للعبد يوم القيامة عوضا عن الأعمال الصّالحة؛ التي هي بعض من فعله. قال تعالى في سورة (الصف): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾. وقال تعالى في سورة (فاطر): ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
وقال تعالى في سورة (التوبة): ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾. إلخ، فسمّى الله ذلك كلّه: بيعا، وشراء على سبيل المجاز. تشبيها بعقود البيع، والشراء؛ التي تحصل بها الأغراض، والمعاوضات. ﴿عَنْ تَراضٍ:﴾ أي: عن طيب نفس كلّ واحد من المتبايعين. وقيل: هو أن يخيّر كلّ واحد منهما صاحبه بعد البيع فيلزم، وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرّقا، لما روي عن ابن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا تبايع الرّجلان؛ فكلّ واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرّقا، وكانا جميعا، أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك؛ فقد وجب البيع، وإن تفرّقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع؛ فقد وجب البيع». رواه الشّيخان، وغيرهما.
هذا؛ ومن هذه الآية الكريمة احتجّ الشافعي-﵁-على أنّه لا يصحّ البيع إلا بالإيجاب، والقبول؛ لأنّه يدلّ على التّراضي نصّا بخلاف المعاطاة، فإنّها قد لا تدلّ على
Juz 2, hlm. 431 ›
الرّضا. وخالف الجمهور في ذلك: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد-﵃-فرأوا: أنّ الأقوال كما تدلّ على التراضي، فكذلك الأفعال تدلّ في بعض المحالّ قطعا، فصحّحوا ببيع المعاطاة مطلقا. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾.
والرسول ﷺ رغب التّجار في الصّدق، والأمانة، وحذّرهم من الكذب، والخيانة، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين، والصّدّيقين والشّهداء يوم القيامة». رواه الترمذيّ.
وعن عبد الرحمن بن شبل-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ التّجّار هم الفجّار». قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحلّ الله البيع؟ قال: «بلى: ولكنّهم يحلفون، فيأثمون، ويحدّثون، فيكذبون». رواه الإمام أحمد، والحاكم، وإنّما قال ذلك؛ لأنّهم أهل دين واحد، فهم كنفس واحدة. وصحّ عن النّبي ﷺ: أنه قال في حجّة الوداع: «ألا لا ترجعوا بعدي ضلاّلا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقيل: المعنى لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب المعاصي، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر، أو غضب. وقد احتجّ عمرو بن العاص بهذه الآية حين بعثه النبي ﷺ في غزوة ذات السّلاسل، فقال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت، ثمّ صلّيت بأصحابي صلاة الصّبح، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صلّيت بأصحابك؛ وأنت جنب؟» قلت: يا رسول الله إنّي احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك! فذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فتيمّمت، ثمّ صليت.
فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئا. رواه أحمد، وأبو داود، وانظر قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في سورة (البقرة) رقم [١٩٤] فله صلة بهذه الآية.
هذا وأورد ابن مردويه عند هذه الآية قول الرسول ﷺ: «من تردّى من جبل، فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». أخرجه الشّيخان، وغيرهما عن أبي هريرة، ﵁.
﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ يعني: إنّ الله تعالى من رحمته بكم نهاكم عن كلّ شيء تستوجبون به مشقة، أو محنة. وقيل: إنّه تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم؛ ليكون ذلك توبة لهم، وكان بكم يا أمّة محمد رحيما؛ حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الشاقّة الصّعبة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (﴿يا﴾) أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا). (ها): حرف تنبيه لا محلّ له، وأقحم للتّوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. وانظر
Juz 2, hlm. 432 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.