تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما. ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه [وما يقدّره لكم] [¬١]، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.
قال ابن أبي حاتم (¬٢٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] [¬٢]، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ أي: في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهنّ.
وقال موسى الكليم -عليه [الصلاة و] السلام- لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء حين مر عليه راجعًا من عند سدرة المنتهي، فقال له: ماذا فرض عليكم؟ فقال: أمرني بخمسين [صلاة في كل] [¬٣] يوم وليلة. فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمّتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمّتك أضعف أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا. فرجع فوضع عشرًا، ثم رجع إلى موسى، فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا. الحديث (¬٢٦٩).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾
Juz 3, hlm. 443 ›
ينهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير (¬٢٧٠): حدثني ابن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما. قال: هو الذي قال الله- ﷿ فيه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (¬٢٧١): حَدَّثَنَا علي بن حرب الموصلي، حدَّثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، في الآية قال: إنها محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس لما أنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ الآية.
[وكذا قال قتادة] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع، كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ وكقوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾.
ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نصًّا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولابد. وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم [¬٢] فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة [مطلقًا، ومنهم من قال:
Juz 3, hlm. 444 ›
يصح] [¬١] في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم.
وقال مجاهد: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ بيعًا [¬٢] أو عطاء يعطه أحد أحدًا. ورواه ابن جرير، ثم قال (¬٢٧٢): وحَدّثَنَا ابن وكيع، حَدثَنَا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي [¬٣]، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ: "البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش [¬٤] مسلمًا". هذا حديث مرسل.
ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين (¬٢٧٣)، أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا". وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا". وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية. ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب [كما هو متفق عليه] [¬٥].
وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أى: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم [¬٦] بالباطل ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وقال الإِمام أحمد (¬٢٧٤): حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص رضي الله
Juz 3, hlm. 445 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.