تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
والمفعول الثاني محذوف، ولكنّ الأوّل أشهر عند المعربين، والجملة الفعلية: ﴿لا تَدْرُونَ..﴾.
إلخ في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿آباؤُكُمْ..﴾. إلخ معترضة بين الجمل المتعاطفة، لا محلّ لها. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: خبر المبتدأ محذوف، تقديره: هم المقسوم عليهم، وهم المعطون وما قدّمته أولى بالاعتبار.
﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لما جاء في هذه الآية من الوصية الباهرة، على حدّ: قعدت جلوسا. وقيل: هو مفعول مطلق، عامله من لفظه محذوف، التقدير: فرض الله ذلك فريضة.
وقيل: حال مؤكّدة، والعامل: يوصيكم، وهو ضعيف. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾
اسم ﴿إِنْ﴾. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلِيماً حَكِيماً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
تنبيه: كثر حذف فاعل الأفعال في الآية الكريمة كما رأيت، ومثل هذا قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٤]: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقوله تعالى في سورة (ص): ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ وفي سورة (الواقعة) قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وفي سورة (القيامة) قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ ففي كل ذلك الفاعل محذوف يدلّ عليه المقام، ومثل هذه الآيات قول حاتم الطّائي: [الطويل]
لعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
وأيضا قول سوار بن المضرّب السّعدي-وهو الشّاهد رقم [١٩١]: من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الطويل]
إذا كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ:﴾ الخطاب للرّجال الوارثين من نسائهم. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ أي: وارث ذكرا كان، أو أنثى من بطنها، أو من صلب بنيها الذّكور، وإن
Juz 2, hlm. 387 ›
سفل؛ ذكرا كان، أو أنثى. منكم، أو من غيركم. أما بنو البنت وإن سفلت؛ فلا حظّ لهم في الميراث؛ لأنّهم من الأرحام. ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ممّا ذكر؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ فالولد منها يحجب الزّوج من النّصف إلى الرّبع، سواء أكان منه، أو من غيره.
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ من الزوجة، أو من غيرها، فالولد يحجبها من الرّبع إلى الثّمن، فقد فرض الله للرّجل بسبب الزواج ضعف ما للمرأة، كما في النسب. وهكذا قياس كل رجل، وامرأة اشتركا في الجهة، والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم، كما ستعرفه، فإنّهم شركاء في القسمة سواء. وينبغي أن تعلم أنّ الزوجة الواحدة، والاثنتين، والثّلاث، والأربع شركاء في الرّبع، أو في الثّمن. وينبغي أن تعلم: أنّ الثّلث، والسّدس، والرّبع، والثّمن تقرأ بضم أولها، وأوساطها، كما تقرأ بضم أولها وسكون أوساطها.
والأولى هي اللّغة الجيدة، والإسكان لغة. قال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-كلّ اسم من ثلاثة أحرف أوّله مضموم، يجوز ضمّ ثانيه، وسكونه، وذلك مثل: عسر، ويسر... إلخ.
﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً..﴾. إلخ: الكلالة: هو الذي ليس له ولد، ولا والد، رجلا كان، أو امرأة، فإن مات أحدهما على هذه الصّفة، وله أخ، أو أخت من الأم، فلأحدهما عند انفراده السّدس من ورثة الميت، فإن كانوا اثنين، فأكثر يأخذون الثلث، ويقتسمونه بالسّويّة بدون تفضيل الذّكر على الأنثى، فقد سوّى الله بينهما؛ لأنّ الإدلاء بمحض الأنوثة. وتفسير الكلالة بهذا هو المعتمد. وقيل: الكلالة: الورثة. وقيل: المال الموروث. وقيل: الإرث. وقيل:
القرابة. هذا؛ واشتقاقها من الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء، فكأنّ الميراث يصير للوارث بعد إعياء، وذلك لعدم أصول، وفروع للميت، وانظر الآية الأخيرة من هذه السّورة، وخذ هنا قول الأعشى من قصيدته؛ الّتي مدح بها النبيّ ﷺ: [الطويل]
فآليت لا أرثي لها من كلالة... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا
ومنه قوله أيضا: [الطويل]
إليك أبيت اللّعن كان كلالها... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد
﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: غير مضارّ لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارّة بالوصية دون القرابة، والإقرار بدين لا يلزمه لأجنبيّ، فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ:
قال: «إنّ الرّجل ليعمل، أو المرأة بطاعة الله ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصيّة، فتجب لهما النّار». ثمّ قرأ أبو هريرة-﵁: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حتّى بلغ: ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. رواه أبو داود، والترمذي. هذا؛ وقيل: إنّ الإضرار في الوصية من الكبائر؛ لأنّ مخالفة أمر الله-﷿-كبيرة، وقد نهى الله
Juz 2, hlm. 388 ›
عن الإضرار في الوصية، فدلّ على: أنّ ذلك من الكبائر، فويل للذين يحرمون بعض الأولاد، ويعطون البعض الآخر، وقال الرسول ﷺ: «إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى؛ حاف في وصيّته، فيختم له بشرّ عمله، فيدخل النّار. وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنة، فيعدل في وصيّته، فيختم له بخير عمله، فيدخل النّار». رواه ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁. هذا؛ وذكرت لك في الآية السابقة سبب تقديم الوصية على الدّين.
﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي: فريضة من الله. وقيل: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن جار، أو عدل في وصيته. ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعاجل المعتدين بالعقوبة. وهذا وعيد، وتهديد لهم. وانظر الآية رقم [٢٢٥]: من سورة (البقرة). وإنّما كررت الوصية في هذه الآية لاختلاف الموصين، كما هو واضح.
هذا؛ ويقال: رجل كلالة، وامرأة كلالة، لا يثنّى، ولا يجمع؛ لأنّه مصدر كالوكالة، والدّلالة، والسّماحة، والشّجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ ولم يقل لهما على عادة العرب إذا ذكرت اسمين، ثمّ أخبرت عنهما، وكانا في الحكم سواء، ربما أضفت إلى أحدهما، وربما إليهما جميعا.
هذا؛ وأصل «أخ» أخو بدليل تثنية أخوين، وأخوان، فحذف منه، وغيّر على غير قياس و «ابن» أصله بني، فحذف منه الياء، وعوض منها الهمزة في أوله، قال الفرّاء-رحمه الله تعالى-: ضمّ أول الأخت؛ لأن المحذوف منها واو. وكسر أول بنت لأن المحذوف منها الياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا.
تنبيه: كانت الوراثة في الجاهلية بالرّجولة، والقوّة، فقد كانوا يورّثون الرجال دون النساء، فأبطل الله ﷿ ذلك، كما رأيت فيما تقدّم رقم [٧]: وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٣٣]: الآتية، ثمّ صارت بعد المحالفة بالهجرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال)، وهذا معنى التوارث بأخوّة الإسلام، ثم ثبت التّوارث بآيات (النّساء) الّتي الكلام فيها. والحمد لله.
فائدة: المسألة الحماريّة: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة لأب، وأم. فقال قوم: للزوج النصف، وللأم السّدس وللأخوة لأم الثلث، وسقط الأشقّاء. وبه قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. روي: أنّ الأخوة الأشقاء قالوا لعمر-﵁: هب أنّ أبانا كان حمارا! وفي رواية: هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم، فأشركنا بقرابة أمّنا! فأشركهم مع الإخوة لأم في الثّلث. وبه قال مالك، والشّافعي-﵁، وأبو حنيفة وافق أحمد بن حنبل-﵁. وتسمّى هذه المسألة: المشتركة، والحمارية، واليميّة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
Juz 2, hlm. 389 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.