Lewati ke konten

QS. Az-Zumar: 8 الزمر

وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴿٨﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (29)

فتح القدير للشوكاني · الشوكاني

قَالَ: يَحْمِلُ اللَّيْلَ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ قَالَ: عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عِظَامًا فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ البطن، والرحم، والمشيمة.

[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٧ الى ١٢]

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١)

وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)

لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ النِّعَمَ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ بَدِيعِ صُنْعِهِ، وَعَجِيبِ فِعْلِهِ مَا يُوجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ أَيْ: غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْكُمْ وَلَا إِلَى إِيمَانِكُمْ وَلَا إِلَى عِبَادَتِكُمْ لَهُ فَإِنَّهُ الغنيّ المطلق، وَمع كَوْنِ كُفْرِ الْكَافِرِ لَا يَضُرُّهُ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِ، فَهُوَ أَيْضًا لَا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ أَيْ: لَا يَرْضَى لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ الْكُفْرَ وَلَا يُحِبُّهُ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ «١» وَمِثْلُهَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى قَلْبِ أَفْجَرِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ عَلَى عُمُومِهَا، وَإِنَّ الْكُفْرَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ هِيَ خَاصَّةٌ؟ وَالْمَعْنَى: لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْكُفْرَ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى التَّخْصِيصِ حَبْرِ الْأُمَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ آخِرَ الْبَحْثِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ اخْتِلَافًا آخَرَ. فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ يُرِيدُ كُفْرَ الْكَافِرِ وَلَا يَرْضَاهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ لَا يُرِيدُهُ وَلَا يَرْضَاهُ، وَالْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذَا يَطُولُ جِدًّا. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْمُثْبِتُونَ لِلْإِرَادَةِ مَعَ عَدَمِ الرِّضَا بِمَا ثَبَتَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ «٢» وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٣» وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٤» وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ. ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ بَيَّنَ أَنَّهُ يَرْضَى لَهُمُ الشُّكْرَ، فَقَالَ: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أَيْ:

يَرْضَى لَكُمُ الشُّكْرَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وإن تشكروا ويثيبكم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا رَضِيَ لَهُمْ سُبْحَانَهُ الشُّكْرَ لِأَنَّهُ سَبَبُ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا قَالَ سبحانه لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٥» قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وشيبة،

Juz 4, hlm. 518 ›

وَهُبَيْرَةُ عَنْ عَاصِمٍ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ مَنْ يَرْضَهُ، وَأَشْبَعَ الضَّمَّةَ عَلَى الْهَاءِ ابْنُ ذَكْوَانَ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَالْكِسَائِيُّ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ، وَاخْتَلَسَ الْبَاقُونَ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أَيْ: لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ حَامِلَةٌ لِلْوِزْرِ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَوْفًى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بما تُضْمِرُهُ الْقُلُوبُ وَتَسْتُرُهُ، فَكَيْفَ بِمَا تُظْهِرُهُ وَتُبْدِيهِ وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ أَيْ ضُرٌّ كَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ أَوْ خَوْفٍ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ أَيْ: رَاجِعًا إِلَيْهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ فِي دَفْعِ مَا نَزَلَ بِهِ تَارِكًا لما كَانَ يَدْعُوهُ، وَيَسْتَغِيثُ بِهِ مِنْ مَيِّتٍ، أَوْ حَيٍّ، أَوْ صَنَمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ أَيْ: أَعْطَاهُ وَمَلَّكَهُ، يقال خوّله الشيء: أَيْ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ العلاء ينشد:

هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ... وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا «١»

وَمِنْهُ قول أبي النجم:

أعطى ولم يبخل فلم يَبْخَلِ ... كُومُ الذُّرَى مَنْ خَوَلِ الْمُخَوَّلِ

نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أَيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كَانَ يَدْعُو اللَّهَ إِلَى كَشْفِهِ عَنْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخَوِّلَهُ مَا خَوَّلَهُ، وَقِيلَ: نَسِيَ الدُّعَاءَ الَّذِي كَانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ وَتَرَكَهُ، أَوْ نَسِيَ رَبَّهِ الَّذِي كَانَ يَدْعُوهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً أَيْ: شُرَكَاءَ مِنَ الْأَصْنَامِ أَوْ غَيْرِهَا يَسْتَغِيثُ بِهَا وَيَعْبُدُهَا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أَيْ: لِيُضِلَّ النَّاسَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ الْإِسْلَامُ وَالتَّوْحِيدُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي أَنْدَادًا مِنَ الرِّجَالِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يُهَدِّدَ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَقَالَ: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أَيْ: تَمَتُّعًا قَلِيلًا، أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا، فَمَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أَيْ: مَصِيرُكَ إِلَيْهَا عَنْ قَرِيبٍ، وَفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ لِيُضِلَّ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِهَا. ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ صِفَاتِ الْمُشْرِكِينَ وَتَمَسُّكَهُمْ بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ انْدِفَاعِ الْمَكْرُوهَاتِ عَنْهُمْ ذَكَرَ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ وَهَذَا إِلَى آخِرِهِ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَالْمَعْنَى ذَلِكَ الْكَافِرُ أَحْسَنُ حَالًا وَمَآلًا، أَمَّنْ هُوَ قَائِمٌ بِطَاعَاتِ اللَّهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ، مُسْتَمِرٌّ عَلَى ذَلِكَ، غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلَى دُعَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِ. قَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ أَمَّنْ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ نافع، وابن كثير، وحمزة، ويحيى ابن وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى: أَمْ دَاخِلَةٌ عَلَى مَنْ الْمَوْصُولَةِ وَأُدْغِمَتِ الْمِيمُ فِي الميم، وأم هِيَ الْمُتَّصِلَةُ وَمُعَادِلُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الْكَافِرُ خَيْرٌ أَمِ الَّذِي هُوَ قَانِتٌ؟ وَقِيلَ: هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ المقدّرة ببل وَالْهَمْزَةِ، أَيْ: بَلْ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ كَالْكَافِرِ؟ وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ: فَقِيلَ: الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ دخلت على من

Juz 4, hlm. 519 ›

وَالِاسْتِفْهَامُ: لِلتَّقْرِيرِ وَمُقَابِلُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ كَمَنْ كَفَرَ؟ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ الْهَمْزَةَ في هذه القراءة للنداء، ومن: مُنَادَى، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَأْمُورِ بِقَوْلِهِ: قُلْ تَمَتَّعْ وَالتَّقْدِيرُ: يَا مَنْ هُوَ قَانِتٌ قُلْ: كَيْتَ وَكَيْتَ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: يَا مَنْ هُوَ قَانِتٌ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْهَمْزَةَ لِلنِّدَاءِ الْفَرَّاءُ، وَضَعَّفَ ذَلِكَ أَبُو حَيَّانَ، وَقَالَ: هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَمَّا قَبْلَهُ، وَعَمَّا بَعْدَهُ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا التَّضْعِيفِ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، وَاعْتَرَضَ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْ أَصْلِهَا أَبُو حَاتِمٍ، وَالْأَخْفَشُ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ فَإِنَّا إِذَا ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بَطَلَتِ الدِّرَايَةُ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقَانِتِ هُنَا فَقِيلَ: الْمُطِيعُ، وَقِيلَ: الْخَاشِعُ فِي صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: الْقَائِمُ فِي صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: الدَّاعِي لِرَبِّهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَصْلُ الْقُنُوتَ: الطَّاعَةُ، فَكُلُّ مَا قِيلَ فِيهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الطَّاعَةِ، وَالْمُرَادُ بِآنَاءِ اللَّيْلِ: سَاعَاتُهُ، وَقِيلَ: جَوْفُهُ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ، وَانْتِصَابُ ساجِداً وَقائِماً عَلَى الْحَالِ، أَيْ: جَامَعًا بَيْنَ السُّجُودِ وَالْقِيَامِ، وَقُدِّمَ السُّجُودُ عَلَى الْقِيَامِ لِكَوْنِهِ أَدْخَلَ فِي الْعِبَادَةِ، وَمَحَلُّ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ أَيْضًا، أَيْ: يَحْذَرُ عَذَابَ الْآخِرَةِ قَالَهُ سَعِيدُ بن جبير ومقاتل وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَمَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ رَجُلٍ إِلَّا فَازَ. قِيلَ: وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ:

كَمَنْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ قَوْلًا آخَرَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ فَقَالَ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَيِ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ حَقٌّ، وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أَوِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ، وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، أَوِ الْمُرَادُ: الْعُلَمَاءُ وَالْجُهَّالُ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَنَّهُ لَا اسْتِوَاءَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَلَا بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ: هُمُ الْعَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَإِنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ وَيَتَدَبَّرُ وَيَتَفَكَّرُ أَصْحَابُ الْعُقُولِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ لَا الْكُفَّارُ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ لَهُمْ عُقُولًا فَهِيَ كَالْعَدَمِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قُلْ يَا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لَمَّا نَفَى سُبْحَانَهُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ، وبين أنه إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ بِالثَّبَاتِ عَلَى تَقْوَاهُ، وَالْإِيمَانِ بِهِ. وَالْمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ اتَّقُوا رَبَّكُمْ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَإِخْلَاصِ الْإِيمَانِ لَهُ، وَنَفْيِ الشُّرَكَاءِ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ قُلْ لَهُمْ قَوْلِي هَذَا بِعَيْنِهِ. ثُمَّ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوَى بَيَّنَ لَهُمْ مَا فِي هَذِهِ التَّقْوَى مِنَ الْفَوَائِدِ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أَيْ: لِلَّذِينِ عَمِلُوا الْأَعْمَالَ الْحَسَنَةَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَقَوْلُهُ: فِي هذِهِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ بأحسنوا، وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحَسَنَةٍ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَكَانِهَا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لِلَّذِينِ أَحْسَنُوا فِي الْعَمَلِ حَسَنَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ وَالظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. ثُمَّ لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْعِبَادِ قَدْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطَّاعَاتِ وَالْإِحْسَانِ فِي وَطَنِهِ أَرْشَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ إِلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ

Juz 4, hlm. 520 ›

Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →