فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة. ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾: افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ما جاء به محمد ﷺ ﴿إِذْ جاءَهُ﴾: فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون. ﴿مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾: أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق، واللام في ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ إشارة إليهم.
[﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣٣ - ٣٥]
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو رسول الله ﷺ: جاء بالصدق وآمن به، وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه الإشارة بقوله: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ و ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فتحتج عليهم أنت بأنك بلغت فكذبوا، واجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، وأما اللاحق فقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾، وإليه الإشارة بقوله: " وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة"، وقوله بعده: " ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ بالذي جاء به محمد صلوات الله عليه" فاجأه بالتكذيب، والذي جاء بالصدق: هو رسول الله ﷺ، وصدق به.
قوله: (وأراد به إياه ومن تبعه)، يعني: جيء بقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ على الإفراد، ثم حمل عليه: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وحكم بقوله: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ﴾، ولا بد من التأويل وأن يقال بأن الرسول ﷺ إمام أمته وقدوتهم، وأن مجيئه بالصدق وتصديقه كمجيئهم به وتصديقهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا، ونجوه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧] أي: موسى وقومه، بدليل قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
Juz 13, hlm. 383 ›
يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، فلذلك قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، إلا أن هذا في الصفة وذاك في الاسم. ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به، وهم الرسول الذي جاء بالصدق، وصحابته الذين صدقوا به. وفي قراءة ابن مسعود: (والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به). وقرئ: (وصدق به) بالتخفيف، أي: صدق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن هذا في الصفة وذاك في الاسم)، لأن هناك ذكر الاسم وهو موسى، وها هنا ذكر الصفة وهي: المجيء بالصدق. وقال محيي السنة: قال ابن عباس: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني: النبي ﷺ جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: الرسول أيضًا بلغه إلى الخلق.
قوله: (ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق)، روى محيي السنة هذا الوجه عن مقاتل وقتادة، قال أبو البقاء: الذي هنا وفي "البقرة" مفرد في اللفظ، والمعنى على الجمع، وفيه وجهان: أحدهما: هو جنس مثل ﴿مَنْ﴾. والثاني: أريد ﴿الَّذِينَ﴾ فحذف النون لطول الكلام بالصلة.
وقال الزجاج: و ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿الَّذِي﴾ في معنى واحد؛ لأنه غير موقف، والذي ها هنا للجنس المعني والقبيل الذي جاء بالصدق. وقلت: يعني الفريق الذي وقع فيه مجيء الصدق من بعض والتصديق من بعض، وهو المراد بقوله: "وهم الرسول" إلى آخره.
قوله: (وقرئ: "وصدق به" بالتخفيف)، قال ابن جني: وهي قراءة أبي صالح وعكرمة بن سليمان، وفيه ضرب من الثناء على المؤمنين، فهو كقولك: الذي يأمر بالمعروف ويتبع سبيل الخير فيه مثاب عند الله، فكذا قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: استحق اسم الصدق بمجيئه.
Juz 13, hlm. 384 ›
به الناس ولم بكذبهم به، يعنى: أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف. وقيل: صار صادقًا به، أي: بسببه، لأنّ القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده، ولا يجوز أن يصدق إلا الصادق، فيصير لذلك صادقًا بالمعجزة. وقرئ: (وصدّق به). فإن قلت: ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذي عملوا، وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت: أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: يستعمل الصدق في فعل الجوارح، نحو صدق في القتال، إذا وفى حقه وفعل ما يجب. وكذب في القتال، إذا كع وجبن. وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا.
قوله: (فيصير لذلك صادقًا بالمعجزة)، إشارة إلى توجيه قول من قال: إن معنى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ صار صادقًا به. أي قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ كناية عن كونه صلوات الله عليه صار صادقًا بسبب القرآن، وذلك أنه صلوات الله عليه جاء بالصدق الذي هو القرآن، وسمي بالصدق مبالغة، كما أشار إليه بقوله: " ﴿بِالصِّدْقِ﴾ بالأمر الذي هو الصدق بعينه"، أي: جاء بالقرآن الذي هو محض الصدق، والحال أنه هو السبب في صيرورته صادقًا؛ لأنه معجزة، والمعجزة تصديق من الله الذي لا يصدق إلا الصادق.
قوله: (الأشج أعدل بني مروان)، روي أن عمر بن عبد العزيز سمي بالأشج، بشجة أصابت رأسه. وروى الشيخ إسماعيل صاحب "سير السلف": أن عمر بن عبد العزيز كان ربعة، رقيق الوجه، نحيف الجسم، بجبهته أثر نفخة الدابة. وروى الشيخ أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن نافع، قال: كنت أسمع عمر يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلًا.
Juz 13, hlm. 385 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.