تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وخيرهم محمد، صلى اللَّه عليهم وسلم، أجمعين. موقوف، وحمزة فيه ضعف.
وقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم -يعني: ذريته- وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: رب، لو سويت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر. وأري فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم كالنور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. وهذا قول مجاهد أيضًا.
وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد.
وقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن [¬١] الرسل.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: موجعًا، فنحن نشهد أن الرسل قد بَلَّغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا ليس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، في جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم، وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى [بن عقبة] [¬٢] وغيره: كانت في سنة أربع.
وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرًا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله، ﷺ، من المدينة إلى خيبر، منهم: سلام بن أبي [¬٣] الحقيق،
Juz 11, hlm. 122 ›
وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش، وألبوهم على حرب رسول الله، ﷺ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلي ذلك. ثم خرجوا إلى [¬١] غطان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضًا. وخرجت قريش في أحابيشها (*) ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيَينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله، ﷺ، بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسيّ فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم [¬٢] رسول الله، ﷺ، التراب وحفرَ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبًا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي أراضي [¬٣] المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، وخرج رسول اللَّه، ﷺ، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف -وقيل: سبعمائة- وأسندوا ظهورهم إلى سَلْع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام (**) المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفة من اليهود- لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي، ﷺ، وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضَري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالئوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فعظم الخطب واشتد الأمر، وضاق الحال؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
ومكثوا محاصرين للنبي، ﷺ، وأصحابه قريبًا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال إلا أن عمرو بن عبد ود العامري -وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية- ركب ومعه فرارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين وندب [¬٤] رسول الله، صلى الله عليه وصلم، خيل المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحد، فأمر عليا فخرج إليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي ﵁، فكان علامة على النصر.
ثم أرسل الله ﷿ على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء ولا تُوقد لهم نار، ولم يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا﴾.
Juz 11, hlm. 123 ›
قال مجاهد: وهي الصبا. ويؤيده الحديث الآخر: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
وقال ابن جرير (¬٢٧): حدثني محمد بن المثنّى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصرْ رسول الله، ﷺ. فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت [¬١] الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن جرير أيضًا (¬٢٨): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أرسلني خالي عبد الله [¬٢] بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله، ﷺ، فأذن لي، وقال: "من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا". قال: فذهبت والريح تسفي [¬٣] كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدًا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي، ﷺ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه. قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، [قال:] [¬٤] وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفى، فأنفدها [¬٥] إلى الأرض.
وقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليّ. فيجتمعون إليه فيقول: النجاء، النجاء، لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب.
وقال محمد بن إسحاق (¬٢٩)، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله، ﷺ، وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد
Juz 11, hlm. 124 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.