تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
"لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله". ثم دعا سعد فقال: اللهم؛ إن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قال: فانفجر كَلْمُه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص [¬١]، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، ﷺ.
قالت عائشة: فَحَضَره [¬٢] رسولُ الله ﷺ وأبو [¬٣] بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رحماء بينهم﴾.
قال علقمة: فقلت: أي أمّه؛ فكيف [¬٤] كان رسول الله، ﷺ، يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
وقد أخرج البخاري ومسلم (¬٥٧) من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة نحوًا من هذا، ولكنه [¬٥] أخصر منه، وفيه دُعاء سعد ﵁.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
هذا أمر من الله لرسوله [¬٦]، ﷺ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُلُ لهن [من] عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل: فاخترن ﵅ وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.
Juz 11, hlm. 145 ›
قال البخاري (¬٥٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال [¬١]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك". وقد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟
وكذا رواه معلقًا عن الليث: حدثني يونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكره وزاد، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت (¬٥٩).
وقد حكى البخاريّ أن معمرًا اضطرب، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وقال ابن جرير (¬٦٠): حدثنا أحمد بن عَبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ: "إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي فيه شيئًا حتى تستأمري أبويك". قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال [¬٢]: فردّه عليها فقالت: فما هو يا رسول الله؟ قالت: فقرأ عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ.
وحدثنا ابن وكيع (¬٦١)، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله ﷺ، فقال: "يا عائشة؛ إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء [¬٣] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان". فقلت: يا رسول الله؛ وما هو؟ قال: قال الله ﷿:
Juz 11, hlm. 146 ›
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحُجَر فقال: "إن عائشة قالت كذا وكذا". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة. ﵅ كلهن.
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به.
قال ابن جرير (¬٦٢): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عَليّ فقال: "سأذكر لك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك": فقلت. وما هو يا نبي الله؟ قال: "إني أمرت أن أخيركن"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تستعجلي [¬١] حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فَسُرّ بذلك، وعَرَض على نسائه فتتابعن كُلّهن، فاخترن الله ورسوله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عُقَيل، عن الزهريّ، أخبرني عبيد الله بن [عبد الله بن] [¬٢] أبي ثَور، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: قد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ … ﴾ الآيتين. قالت عائشة: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة ﵅.
وأخرجه البخاري ومسلم جميعًا (¬٦٣) عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثله.
وقال الإمام أحمد (¬٦٤): حدثنا أبو معاودة، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن
Juz 11, hlm. 147 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.