كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول ﷺ كذلك. هذا؛ و «الرجاء» في الأصل: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب؟
وقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر قوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ ... إلخ وغيرها كثير، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل
وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي النفي، كقوله تعالى:
﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾. وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد.
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، ونحوه. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي رَسُولِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و ﴿رَسُولِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُسْوَةٌ:﴾
اسم كان مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة ﴿أُسْوَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي جواب القسم المقدر، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من ﴿لَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهو المعتمد عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون إبدال الغائب من المخاطب، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿اللهِ:﴾
منصوب على التعظيم. ﴿وَالْيَوْمَ:﴾ معطوف عليه. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة: (اليوم) وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وما تقدم مذكور بحروفه في سورة (الممتحنة) رقم [٦]. (ذكر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من) أيضا. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم أيضا. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، وجملة: ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ معطوفة على جملة ﴿كانَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ﴾ أي: قريشا، وحلفاءها، وقد نزلوا حول المدينة، وعسكروا. ﴿قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ يريد قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ﴾
Juz 7, hlm. 462 ›
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ... إلخ، وقول النبي ﷺ:
«سيشتدّ الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم». وكان قد قال لهم أيضا: «إنهم سائرون إليكم بعد تسع، أو عشر». قاله قتادة.
﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ روى كثير بن عبد الله، بن عمرو المزني عن أبيه، عن جده، قال:
خطب رسول الله ﷺ عام جاءت الأحزاب، فقال: «أخبرني جبريل-﵇-أن أمتي ظاهرة عليها-يعني على قصور الحيرة، ومدائن كسرى-فأبشروا بالنصر!». فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله، موعد صادق؛ إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾. وقولهم هذا في مقابلة قول المنافقين:
﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾. وقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ليس إشارة إلى ما وقع، فإنهم كانوا يعرفون صدق الله ورسوله قبل الوقوع، وإنما هو إشارة إلى البشارة في جميع ما وعد، مثل فتح مكة، وفتح بلاد الروم، وبلاد فارس.
﴿وَما زادَهُمْ﴾ أي: البلاء، أو شدة الخطب، أو الذي رأوه من مجيء الأحزاب، أو الوعد، أو الصدق. ﴿إِلاّ إِيماناً:﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيماً:﴾ لحكمه، وإرادته. هذا؛ والفعل «زاد» ضد: نقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما ومدا تمييز، ومثله قل في «نقص» فمن المتعدّي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾.
تنبيه: في إعادة الاسمين وتكريرهما التعظيم، والتكريم، ولأنه لو أعادهما مضمرين، لجمع بين اسم الله تعالى، واسم رسوله في لفظة واحدة، فكان يقول: وصدقا، والنبي ﷺ قد كره ذلك، ورد على من قاله، حيث قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما؛ فقد غوى» فقال له: «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله؛ فقد غوى». قصدا إلى تعظيم الله، وعليه استشكل بعضهم قوله ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله، أحبّ إليه مما سواهما... إلخ». الحديث رواه أنس بن مالك، ﵁، فقد جمع بينهما في ضمير واحد، وأجيب بأن النبي ﷺ أعرف بقدر الله منا، فليس لنا أن نقول كما يقول. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو حرف استئناف. (لما): حرف وجود عند سيبويه. وبعضهم يقول:
حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿رَأَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
Juz 7, hlm. 463 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.