تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقولُ: لم يكنْ يُشْرِكُ في عبادتِه أحدًا من خلقِه، فكذلك أنتم أيضًا أيها اليهودُ، فلا يتَّخِذْ بعضُكم بعضًا أربابًا من دونِ اللهِ، تُطيعونهم كطاعةِ إبراهيمَ ربَّه. وأنتم يا معشرَ عَبَدةِ الأوثانِ، فلا تتَّخذوا الأوثانَ والأصنامَ أربابًا، ولا تعبُدوا شيئًا من دونِ اللهِ؛ فإن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ كان دينُه إخلاصَ العبادةِ لربِّه وحدَه، من غيرِ إشراكِ أحدٍ معه فيه، فكذلك أنتم أيضًا، فأَخْلِصوا له العبادةَ، ولا تشرِكوا معه في العبادةِ أحدًا، فإن جميعَكم مُقرُّون بأن إبراهيمَ كان على حقٍّ وهَدْيٍ مستقيمٍ، فاتَّبِعوا ما قد أَجْمَع جميعُكم على تَصْويبِه من ملَّتِه الحنيفيَّةِ، ودَعُوا ما اخْتَلَفتم فيه من سائرِ الملل غيرِها، أيها الأحزابُ، فإنها بِدَعٌ ابْتَدَعْتُموها، إلى ما قد أَجْمَعتم عليه أنه حقٌّ، فإن الذي أَجْمَعتم عليه أنه صوابٌ وحقٌّ من ملةِ إبراهيمَ، هو الحقُّ الذي ارْتَضَيْتُه، وابْتَعثتُ به أنبيائِى ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطلُ الذي لا أقبَلُه من أحدٍ مِن خَلْقى جاءني به يومَ القيامةِ.
وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يعنى به: وما كان من عَدَدِهم وأوليائِهم. وذلك أن المشركين بعضُهم من بعضٍ في التَّظاهُرِ على كفرِهم، ونُصْرةِ بعضِهم بعضًا، فبرَّأ اللهُ إبراهيمَ خليلَه أن يكونَ منهم، أو من (¬١) نُصرائِهم وأهلِ ولايتِهم. وإنما عنَى جلَّ ثناؤُه بالمشركين: اليهودَ والنصارى وسائرَ الأديانِ غيرِ الحنيفيَّةِ. قال: لم يكنْ إبراهيمُ من أهلِ هذه الأديانِ المشركةِ، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾.
Juz 5, hlm. 589 ›
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ يُعْبَدُ اللهُ فيه مُبارَكًا وهدًى للعالمين الذي ببكَّةَ. قالوا: وليس هو أولَ بيتٍ وُضِع في الأرضِ؛ لأنه قد كانت قبلَه بيوتٌ كثيرةٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: ألا تُخْبرُني عن البيتِ، أهو أولُ بيتٍ وُضِع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنَّه أول بيتٍ وُضِع فيه (¬١) البركةُ، مَقامُ إبراهيمَ، ومَن دخَلَه كان آمنًا (¬٢).
حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عُرْعُرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا وقيل له: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾: هو أولُ بيتٍ كان في الأرضِ؟ قال: لا. قال: فأين كان قومُ نوحٍ، وأين كان قومُ هُودٍ؟ قال: ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا وهُدًى (¬٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةً، عن أبي رَجاءٍ، قال: سأَل حفصٌ الحسنَ وأنا أسمَعُ، عن قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. قال: هو أولُ مسجدٍ عُبِد اللهُ فيه في الأرضِ.
حدَّثنا عبدُ الجبَّارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ
Juz 5, hlm. 590 ›
في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال: قد كانت قبلَه بيوتٌ، ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للعبادةِ (¬١).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ قولَه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: يُعبَدُ اللهُ فيه ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ (¬١).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: وُضِع للعبادةِ.
وقال آخرون: بل هو أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ. ثم اخْتَلَف قائلو ذلك في صفةِ وضعِه أولَ؛ فقال بعضُهم: خُلِق قبلَ جميعِ الأَرَضين، ثم دُحِيَتِ الأَرَضون من تحتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شيبانُ، عن الأعمشِ، عن بُكيرِ بن الأَخْنسِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: خلقَ اللهُ البيتَ قبلَ الأرضِ بألفيْ سنةٍ، وكان - إذ كان عرشُه على الماءِ - زَبْدَةً بيضاءَ، فدُحيت الأرضُ من تحتِه (¬٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: إن أولَ ما خلَق اللهُ الكعبةُ، ثم
Juz 5, hlm. 591 ›
Pembahasan ayat ini masih 6 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.