تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والهاء مفعول به أول. ﴿مَنْ﴾ مفعول به ثان، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يؤتيه الذي، أو:
شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ وقيل: هي مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام متضمنة للتهديد، والوعيد.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ:﴾ بنبوته، وتوفيقه، وهدايته. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني:
أن كلّ خير يناله عباده في دينهم، ودنياهم فإنّه من الله تعالى تفضلا عليهم، ومنّة من غير استحقاق منهم لذلك، بل له المنة، والفضل على عباده. هذا؛ وذكرت في سورة (البقرة) نقلا عن الجمل: أنّ الفعل: ﴿يَخْتَصُّ﴾ يستعمل متعديا، ولازما، فعلى التعدي فاعله مستتر فيه، والموصول بصلته في محل نصب على المفعولية، والمعنى: والله يختص... إلخ وعلى اللزوم الفاعل هو الموصول بصلته، والمعنى: والله يتميّز برحمته من يشاء الله تمييزه. انتهى. ولم أجده لغيره، كما لم أجده في كتب اللغة. وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (البقرة) برقم [١٠٥] وفي الآية الكريمة ردّ، وإبطال لما زعموه بالحجّة الواضحة.
الإعراب: ﴿يَخْتَصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾). ﴿بِرَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ يَشاءُ:﴾ انظر مثله في الآية السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿ذُو﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه.
﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (﴿الْفَضْلِ﴾) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَخْتَصُّ﴾ المستتر؛ فلست منفدا، ويكون الرابط الواو، وإعادة لفظ الجلالة.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة في اليهود، فأخبر الله تعالى: أن فيهم أمانة، وخيانة. وقسمهم قسمين. والقنطار: عبارة عن المال الكثير، كما رأيت في الآية رقم [١٤]. والدّينار: عبارة عن
Juz 2, hlm. 140 ›
المال القليل. وهو أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعيرات، مجموعه اثنتان وسبعون حبّة. هذا؛ والدينار أصله: دنّار، فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للخفة لكثرة استعماله، يدل عليه أنه يجمع: دنانير، ويصغّر: دنينير، ورحم الله من يقول فيه: [البسيط]
النّار آخر دينار نطقت به... والهمّ أخر هذا الدّرهم الجاري
والمرء بينهما إن كان ذا ورع... معذّب القلب بين الهمّ والنّار
هذا؛ والأول من أهل الكتاب هو عبد الله بن سلام-﵁-كان حبرا من أحبار اليهود؛ الذين هداهم للإيمان، استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأداه إليه لمّا طلبه بدون تأخير. والثاني هو فنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر دينارا، فجحده. وقيل:
هو كعب بن الأشرف. ﴿إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ إلا في مدة دوامك قائما على رأسه مبالغا في مطالبته، بالتقاضي، والترافع، وإقامة البينة لردّ الحق، والأمانة منه، هذا وذكر الله تعالى قسمين: من يؤدّي، ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة له، وقد يكون من الناس من لا يؤدي، وإن دمت عليه قائما، وما أكثرهم في هذا الزّمن! هذا؛ و ﴿دُمْتَ﴾ بضم الدال من باب فعل، يفعل، مثل: قال، يقول، ودام يدوم، وقرئ بكسر الدال فعل يفعل، مثل خاف يخاف، على دام يدام، وكذلك: (متّ) فيمن كسر الميم أو ضمها.
﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما يفعلونه من خيانة الأموال. والإشارة بالبعيد للإيذان بكمال غلوّهم في الشرّ، والفساد. ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ..﴾. إلخ؛ أي: ليس علينا حرج، ومؤاخذة في أكل أموال من ليس على ديننا من العرب؛ لمخالفتهم لنا في الدّين. وادّعوا: أنّ ذلك في كتابهم، فأكذبهم الله ﷿، بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أنهم كاذبون في دعواهم.
هذا؛ و ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ جمع: أمّيّ، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في نبينا ﷺ، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأوّلين، والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف) وأميّ منسوب إلى الأم؛ التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأن الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال الرسول ﷺ: «إنّا أمّة أمّيّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا...» الحديث، أو هو منسوب إلى الأمة؛ لأنّها ساذجة قبل أن تعرف المعارف. هذا؛ و (السّبيل) الطريق يذكّر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾.
ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل-بضمتين-وسبل، بضمّ، وسكون.
Juz 2, hlm. 141 ›
هذا؛ والأمانة عظيمة القدر في الدّين، ومن عظم قدرها: أنها تقوم هي، والرّحم على جنبتي الصراط-كما في صحيح مسلم-فلا يمكّن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة-﵁-قال: حدّثنا النبي ﷺ عن رفع الأمانة، قال: «ينام الرجل النّومة، فتقبض الأمانة من قلبه... إلخ» وهو مذكور بطوله في كتاب التّرغيب والترهيب. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وخذ هنا ما يلي:
عن عمران بن حصين-﵁-عن النبي ﷺ قال: «خير القرون قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» رواه البخاريّ، ومسلم، ورواه أبو يعلى من حديث أنس-﵁-قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إنّي مسلم».
وعن عبد الله بن عمرو-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.
عن صعصعة بن يزيد: أن رجلا سأل ابن عباس-﵄. فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمّة الدّجاجة، والشاة. قال ابن عباس: فتقولان ماذا؟ قال، نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إنّهم إذا أدّوا الجزية؛ لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم.
الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ أَهْلِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الكلام، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما أذكره في الآية رقم [١١٠] الآتية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿تَأْمَنْهُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والهاء مفعول به.
﴿بِدِينارٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والباء الجارة بمعنى: على، ومثله قول راشد بن عبد ربه السّلمي ﵁، وهو الشاهد رقم [١٥٧]: من كتابنا فتح القريب المجيب، والشاهد رقم [٤٧٤] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل]
أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
والجملة الفعلية: ﴿تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُؤَدِّهِ:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء،
Juz 2, hlm. 142 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.