تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
قال الله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: الأمور كلها تحت تصرفه [¬١]، وهو المعطي المانع، يمن علي من يشاء بالإيمان [¬٢]، والعلم، والتصرف [¬٣] التام، ويضل من يشاء، فيعمي [¬٤] بصره وبصيرته، ويختم على [قلبه وسمعه]، ويجعل على بصره غشاوة، وله [الحجة التامّة والحكمة البالغة] [¬٥].
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف، بما شرف به نبيكم محمدًا [¬٦]ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به [¬٧] إلى أكمل [¬٨] الشرائع.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾
يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم [¬٩] الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيكَ﴾ أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤده إليك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار [¬١٠]، فما فوقه أولى أن لا يؤدّه إليكَ [¬١١].
وقد تقدم الكلام على القنطار في أوّل السورة، وأمّا الدينار فمعروف.
وقد قال ابن أبي حاتم (¬١٥٠): حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، عن زياد ابن
Juz 3, hlm. 89 ›
الهيثم، حدثني مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار. وقيل [¬١]: معناه أنه [¬٢] من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار.
ومناسب أن يذكر [¬٣] هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من [¬٤] صحيحه، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة، حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض [¬٥] بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. فقال [¬٦]: ائتني بالكفيل. قال: كفي بالله كفيلا قال [¬٧]: صدقت. فدفعها إليه إلي أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها [¬٨] [ليقدم عليه في الأجل] [¬٩] الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلي صاحبه، ثم زجج [¬١٠] موضعها، ثم أتى بها إلي البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني استسلفت [¬١١] فلانًا ألف دينار فسألني شهيدًا، فقلت: كفي بالله شهيدًا، وسألني كفيلًا، فقلت: كفي بالله كفيلًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها [¬١٢]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلي بلده، فخرج الرجل الذي كان [سلَّفه لينظر] [¬١٣] لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان [¬١٤] تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال [¬١٥]: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلى بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا. قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بألف دينار راشدًا".
هكذا رواه البخاري في موضعه معلقًا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه (¬١٥١).
Juz 3, hlm. 90 ›
ورواه [¬١] الإِمام أحمد في مسنده هكذا مطولًا، عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث به (¬١٥٢).
ورواه البزار في مسنده (¬١٥٣)، عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. كذا قال، وهو خطأ لما تقدم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأمّيين، وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وأتفكوا بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بهت.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي صعصعة بن يزيد، أن رجلًا سأل ابن عباس [فقال: إنا] [¬٢] نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة؟ قال ابن عباس: فتقولون [¬٣] ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، إنهم إذا أدوا الجزية؛ لم تحل لكم أموالهم إلا بطب أنفسهم (¬١٥٤).
Juz 3, hlm. 91 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.