تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا ما عليه قَرأَةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ ألفِ ﴿إِنَّ﴾. على الابتداءِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ على صحةِ ذلك، وما اجْتَمَعَت عليه فحُجَّةٌ، وما انْفَرَد به المنفَرِدُ عنها فرأىٌ، ولا يُعْتَرَضُ بالرأيِ على الحُجَّةِ.
وهذه الآيةُ، وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجةُ البالغةُ مِن اللهِ لرسولِه محمدٍ ﷺ، على الوفدِ الذين حاجُّوه مِن أهلِ نَجْرانَ، بإخبارِ اللهِ ﷿ عن أن عيسى كان بريئًا مما نسَبه إليه مَن نسَبه إلى غيرِ الذي وصَف به نفسَه، مِن أنه للهِ عبدٌ كسائرِ عبيدِه مِن أهلِ الأرضِ، إلا ما كان اللهُ جلَّ ثناؤُه خصَّه به مِن النبوةِ والحُجَجِ التي آتاه دليلًا على صدقِه - كما آتَي (¬١) سائرَ المرسَلين غيرِه مِن الأعلامِ والأدلةِ على صدقِهم - [وحُجَّةً على نبوتِه] (¬٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: فلمَّا وجَد عيسى منهم الكفرَ.
و "الإحساسُ" هو الوجودُ، ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨].
فأما "الحسُّ" بغير ألفٍ، فهو: الإفناءُ والقتلُ، ومنه قولُه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. و "الحسُّ أيضًا: العطفُ والرِّقةُ. ومنه قولُ
Juz 5, hlm. 435 ›
الكُمَيْتِ (¬١):
هل مَن بَكَى الدارَ رَاجٍ أَن تَحِسَّ له … أو يُبْكِىَ الدارَ ماءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ (¬٢)
يعنى بقولِه: أن تَحِسَّ له: أن تَرِقَّ له.
فتأويلُ الكلامِ: فلمَّا وجَد عيسى مِن بنى إسرائيلَ الذين أرْسَله اللهُ إليهم، جحودًا لنبوتِه، وتكذيبًا لقولِه، وصدًّا عمّا دعاهم إليه مِن أمرِ اللهِ، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يعنى بذلك: قال عيسى: مَن أعْواني على المكذِّبين بحجةِ اللهِ والمُوَلِّين عن دينِه، والجاحدِين نبوةَ نبيِّه، إلى اللهِ ﷿؟
ويعنى بقولِه: ﴿إلَى اللهِ﴾: مع اللهِ.
وإنما حَسُن أن يُقالَ: ﴿إلَى اللهِ﴾. بمعنى: مع اللهِ؛ لأن مِن شأنِ العربِ إذا ضمُّوا الشيءَ إلى غيرِه، ثم أرادوا الخبرَ عنهما بضمِّ أحدِهما مع الآخرِ إِذا ضُمَّ إليه، جعلوا مكانَ "مع" "إلى" أحيانًا، وأحيانًا تُخبِرُ عنهما بـ"مع"، فتقولُ: الذَّوْدُ (¬٣) إلى الذودِ إبلٌ. بمعنى: إذا ضمَمْتَ الذَّوْدَ إلى الذودَ صارت إبلًا. فأما إذا كان الشيءُ مع الشيءٍ لم يَقُولوه بـ"إلى"، ولم يَجْعَلوا مكانَ "مع" "إلى"، غيرُ جائزٍ أن يُقال: قدِم فلانٌ وإليه مالٌ. بمعنى: ومعه مالٌ.
وبمثلِ ما قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال جماعةٌ
Juz 5, hlm. 436 ›
مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ (¬١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ (¬١).
وأما سببُ استِنْصارِ عيسى ﵇ من اسْتَنْصَرَ مِن الحَوَارِيِّين، فإِنَّ بينَ أهلِ العلمِ فيه اختلافًا؛ فقال بعضُهم: كان سببَ ذلك ما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لما بعَث اللهُ عيسى، فأمَرَه بالدعوةِ، نفَتْه بنو إسرائيلَ وأَخْرَجوه، فخرَج هو وأمُّه يَسِيحون في الأرضِ، فنزَل في قريةٍ على رجلٍ، فضافَهم وأحْسَن إليهم، وكان لتلك المدينةِ ملكٌ جبارٌ مُعْتَدٍ، فجاء ذلك الرجلُ يومًا وقد وقَع عليه هَمٌ وحُزْنٌ، فدخَل منزلَه ومَرْيَمُ عندَ امرأتِه، فقالت مريمُ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حَزينًا! قالت: لا تَسْأَلى، قالت: أخْبِرينى لعل الله يُفَرِّجُ كُرْبتَه. قالت: فإن لنا مَلِكًا يَجْعَلُ على كلِّ رجلٍ منا يومًا يُطْعِمُه هو وجنودَه، ويَسْقِيهم مِن الخمرِ، فإن لم يَفْعَلْ عاقَبَه، وإنه قد بلَغت نَوبتُه اليومَ الذي يُرِيدُ أن يَصْنَعَ له فيه، وليس لذلك عندَنا سَعَةٌ. قالت: فقولي له: لا يَهْتَمُّ، فإنى آمُرُ ابنى فيَدْعُو له فيُكْفَى ذلك. قالت مريمُ لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أُمَّهْ، إنى إن فعَلْتُ كان في ذلك شَرٌّ. قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحْسَن إلينا وأكْرَمَنا. قال عيسى: فقولي له: إذا اقْتَرَب ذلك،
Juz 5, hlm. 437 ›
Pembahasan ayat ini masih 7 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.