تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي: عرف من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ والخبث، واللؤم.
والإحساس: الإدراك ببعض الحواس الخمس، وهو الذوق، والشم، واللمس، والسمع، والبصر. وفيه استعارة؛ إذ الكفر ليس بمحسوس، وإنّما يعلم، ويفطن به، فإطلاق الحسن عليه من نوع الاستعارة. ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي: مع الله، والظاهر: أنه أراد: من أنصاري في الدّعوة إلى الله، كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج: «من يؤويني؛ حتّى أبلّغ رسالة ربّي؟ فإنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي». وهذه سنّة الله في أنبيائه، وأوليائه، وقد حكى الله عن لوط قوله في سورة (هود): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ..﴾. إلخ: جمع: حواري، وهم أصفياء عيسى، ﵇، وكانوا اثني عشر رجلا، واختلف في تسميتهم بذلك، فقال ابن عباس-﵄: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. وقيل: كانوا قصارين. وقيل: كانوا ملوكا يلبسون الثياب البيض. والحواري: الناصر، فعن جابر-﵁-قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير-﵁، ثم ندبهم: فانتدب الزبير، فقال الرسول ﷺ: «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريي الزّبير». متفق عليه، والحواريات: النساء الحضريات لخلوص ألوانهن، وبياضهن، ونظافتهن. قال الشاعر: [الطويل]
فقل للحواريّات يبكين غيرنا... ولا تبكنا إلاّ الكلاب النّوابح
فهو يعني: أنه ليس من عرف بالحضر، والتنعم بالحياة، بل هو من أهل البدو، والمحاربة، ولا يبكى عليه إلا الكلاب؛ اللاتي تساق معه في البدو، والصيد. ﴿وَاشْهَدْ:﴾ الخطاب لعيسى ﵇؛ أي: اشهد لنا عند ربك يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم، أو عليهم.
﴿مُسْلِمُونَ:﴾ منقادون، طائعون. والإسلام: الاستسلام، والانقياد لأوامر الله. ﴿أَنْصارُ اللهِ:﴾
أنصار دينه. هذا؛ والآية الكريمة تبيّن: أن الإسلام، والإيمان شيء واحد، ولكن قد يختلفان، كما في آخر سورة (الحجرات).
هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ هم أصحاب المسيح عيسى بن مريم-صلوات الله، وسلامه عليه-وخاصته؛ الذين اختارهم؛ ليكونوا تلاميذه، وبادروا إلى الإيمان به، وتتلمذوا له، وتعلّموا منه، وكانوا اثني عشر رجلا. وهذا اللفظ لم أعرفه عبرانيّا، وأما عربيّا فقد قال صاحب القاموس، وقد جاء إطلاق حواري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
Juz 2, hlm. 106 ›
على الزّبير بن العوام، ﵁، ويظهر: أن لفظ الأنصار في جانب رسول الله ﷺ بمنزلة الحواريين في جانب المسيح ﵇. والأناجيل تعبّر عنهم بلفظ التلاميذ.
وإذا جاز لي هذا اللفظ، فإنّي أقول: إنّ معناه: الإخوان في طلب العلم، من لفظ: حور العبري، وهو التلميذ، وجمعه: حوريم، نطق به في العربية حواري، وحواريين. هذا؛ وذكرت أسماء الحواريين في إنجيل متّى في الإصحاح العاشر، وقد ذكر برنابا أسماء التلاميذ في الفصل الرابع عشر من إنجيله، وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر من إنجيل متّى:
١ - سمعان الذي يقال له: بطرس
٢ - أندراوس أخو سمعان: بطرس
٣ - يعقوب بن زيدي
٤ - فيلبس
٥ - برثولماوس
٦ - يوحنّا أخو يعقوب
٧ - توما
٨ - متّى العشّار
٩ - يعقوب بن حلفي
١٠ - لباوس الملقّب تداوس
١١ - سمعان القانوني
١٢ - يهوذا الإسخريوطي
وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر عند برنابا
١ - أندراوس
٢ - بطرس
٣ - برنابا
٤ - متّى العشّار
٥ - يوحنا بن زيدي
٦ - يعقوب بن زيدي
٧ - تداوس
Juz 2, hlm. 107 ›
٨ - يهوذا
٩ - برثولماوس
١٠ - فيلبس
١١ - يعقوب بن حلفي
١٢ - يهوذا الإسخريوطي
ومن ذلك نرى: أنّ برنابا نقص من الحواريين عند متّى اثنين، وهما: سمعان الغيور المعروف بالقانوني، وتوما، ووضع مكانهما اسمه، واسم تداوس، فهل الصواب معه؟ ولكن الكنيسة لما رأت إنجيله يخالف ما تهوى حذفت اسمه، واسم سمعان من بين التلاميذ؛ لأنهما كانا متطابقين في الرأي، قد يكون ذلك، وأنّهم اكتفوا في عقابه بهذا مع بقاء اسمه بين الرسل؛ الذين حملوا قسطا عظيما في نشر الدعوة، والتبشير باقتراب ملكوت السموات، وهؤلاء الحواريون الذين استجابوا لعيسى، ﵇، وهم الذين بثهم في القرى اليهودية؛ ليدعوا الكفار بدعوة المسيح، ومن غلا في شأنه، أو كذّبه، وردّ دعوته. وقد قص شأن الحواريين في هذه السورة، وفي آخر سورة (المائدة) وفي سورة (الصف). انتهى بتصرف.
وهذا يدل على أنّ رسالة عيسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أعم من رسالة جميع المرسلين قبله، وذكرت أكثر من هذا في سورة (الصف).
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٣٦] ﴿أَحَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا.
﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكفر.
﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿عِيسى﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارِي:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر، أو هو من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَنْصارِي﴾ أو بمحذوف حال منه، التقدير: ملتجأ، أو ذاهبا، ونحوه، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على محذوف التقدير: فكذبوه فلمّا... إلخ.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على
Juz 2, hlm. 108 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.