التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ):
كان زكريا يأتي مريم بطعامها، بمقتضى كفالته لها. ولكنه كان - حين يأتيها - يجد عندها رزقا جميلا، وطعاما وفيرا. فيعجب لذلك، ويقول لها: من أين لك هذا؟! يقول لها ذلك متعجبا من وجود رزق عندها، ولا كافل لها سواه. فتجيبه قائلة: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ) رزقا واسعا (بِغَيْرِ حِسَابٍ). ويحتمل أن تكون جملة (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) من كلام الله تعالى، وليس من كلامها، سيقت: للإيذان بأنه لا ينبغي أن تعجب من هذا الرزق، فإن الله يرزق من يشاءُ بغير حساب.
والمحراب الذي كانت فيه، قيل: إنه غرفة بنيت لها في بيت المقدس، لا يصعد إليها إلا بسلم. وقيل: إنه ذات المسجد، وكانت مساجدهم تسمى: محاريب.
والحق، أن المحراب لغة: يطلق على الغرفة، وهي الحجرة العالية. وعلى صدر البيت وأكرم مواضعه. وإطلاقه على المسجد - أو على مكان الإمام فيه - لرفعة شأنه.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾
Juz 1, hlm. 560 ›
المفردات:
(هُنَالِكَ): أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في هذا الوقت الذي رأي فيه من الكرامات ما رأى، على غير المألوف. وهنالك: يشار به إلى المكان والزمان.
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ): المراد بكلمة الله، عيسى ﵇، حيث جاءَ بقوله تعالى: (كُنْ) من غير توسط أب.
(وَحَصُورًا): الحصور، الذي لا يباشر النساء. أو هو الذي يمنع نفسه من المعاصي.
(بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): أدركتني الشيخوخة.
(وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ): عقيم لا تلد، من العَقْر وهو القطع، لقطع أولادها.
(أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ): أي لا تقدر على كلامهم من غير آفة.
(إِلَّا رَمْزًا): إلا إشارة.
(بِالْعَشِيِّ): هو من الزوال إلى الغروب. وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل.
(وَالْإِبْكَارِ): أي وقت الإبكار وهو من الفجر إلى الضحى.
التفسير
٣٨ - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾:
هذه قصة مستقلة. سيقت في أثناء قصة مريم، لأنها - مع ارتباطها بها - مقررة لها، بما فيها من عجيب قدرة الله مثلها.
والمعنى: أن زكريا، لما وجد عند مريم رزقًا عظيمًا، وتحقق أنه من عند الله تعالى: لا يأتيها به أحد من الناس - قال في نفسه: إن الذي جاءَ مريم بذلك الرزق، لَقَادِرٌ على أن يصلح لي زوجتي، ويرزقني منها ذرية .. فعند ذلك، قام في المحراب وابتهل إلى الله تعالى قائلا: رب هب لي من عندك ذرية طيبة مباركة صالحة، إنك كثير الإجابة لمن يدعوك.
وهنالك: وإن كان يشار به إلى المكان البعيد، إلا أنه قد يستعمل بمعنى: في تلك الحال مجازا، كما تقول: من هنالك، قلنا: كذا. أي في تلك الحال كذا. ومن هذه الجهة، قلت: كذا. ذكره الزجاج.
وقد علل زكريا طلبه بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ): وأصله بمعنى: كثير السمع للدعاء، ولكنه أُريد منه هنا مجازا: إنك كثير الإجابة لمن يدعوك. فهذا هو الأكثر مناسبة للتعليل.
٣٩ - ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾:
Juz 1, hlm. 561 ›
أكرم الله زكريا فَأجاب دعاءَه، وبعث إليه بالملائكة يبشرونه بذلك، فنادوه - وهو قائم يصلي في المسجد - أن الله تعالى يبشرك بولد ذَكَر سماه الله يحيى: مصدقًا بعيسى ﵇، الذي سُمِّيَ كلمة الله، لأنه خلقه بقوله: (كُنْ) فكان. ومعنى تصديقه به: إيمانه بأنه رسول الله. وهو بذلك، يكون أول من آمن به. ويحيى أكبر من عيسى.
فهذه البشارة كانت قبل أن تحمل مريم بعيسى، أو - على الأقل - قبل أن تلده. وذكر هذا التصديق، لتسفيه رأي اليهود في عيسى ﵇.
وقال أبو عبيدة: المراد بالكلمة هنا، الكتاب أو الوحي.
وقد وصف الله يحيى على لسان ملائكته المبشرين، بأنه سيكون سيدًا. والسيد: من يسود قومه. ثم أُطْلِق على كل فائق في الدين أو الدنيا. كما قاله بعض المحققين.
ويمكن أن يجتمع فيه الأمران: الرياسة في قومه، والتفوق في الدين. فإنه نبي الله، ومن الصالحين. كما سيأتي نَعْتُه بذلك.
ووصفته الملائكة أيضًا بأنه حصور .. وفسره ابن عباس: بأنه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. ولعل هذا، لأن انهماكه في العبادة، شغله عنهن.
والمدح بذلك، كناية عن مدحه باشتغاله بالعبادة عن متع الحياة الدنيا. وليس معناه أن ذلك في أفضل من الزواج مع الاشتغال بالعبادة. فإن الزواج من سنن الله في الأنبياء. ومن سننه في الجنس البشري، ليبقى خليفة عن الله تعالى في عمارة أرضه. وقد كان - على سنة يحيى - في ذلك - عيسى، ﵉.
وفَسَّر الحصورَ بعضُ المفسرين: لأنه المبالغ في الحصر النفس، وحبسها عن المعاصي والشهوات، وكان ضمن بشارة الملائكة لزكريا عن ولده يحيى: أنه سيكون نبيًّا ناشئًا من الأُصول الصالحين، أو معدودًا في عدادهم.
والمراد من الصلاح: ما فوق الصلاح الذي لابد منه في منصب النبوة، بأن يكون في أقصى مراتبه، حتى يكون للوصف به بعد النبوة فائدة.
وتأنيث الفعل (قَالَتْ) عند إسناده إلى الملائكة، لجواز ذلك عند إسناده إلى الجماعة.
فالملائكة ليسوا إناثا. ولهذا رَدَّ اللهُ على المشركين حين ادعوا ذلك فقال: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" (¬١). وقد
Juz 1, hlm. 562 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.