وقد اخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الأمصارِ ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ على تقديرِ فُعَلَةٍ مثل: تُخَمَةٍ، وتُؤَدَةٍ، وتُكَأَةٍ، مِن "اتَّقَيْت".
وقرَأ ذلك آخَرون: (إلَّا أنْ تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً). على مثالِ فَعِيلَةٍ (¬١).
والقراءةُ التي هي القراءةُ عندَنا قراءةُ مَن قرأها: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾؛ لثُبوتِ حُجَّةِ ذلك بأنه القراءةُ الصحيحةُ، بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتنِعُ معه (¬٢) الخطأُ.
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾.
يَعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: ويُخَوِّفُكم الله مِن نفسِه أن تَرْكَبُوا معاصِيَه، أو تُوالُوا أعداءَه، [فإلى اللهِ] (¬٣) مَرْجِعُكُم ومصيرُكم بعدَ مماتِكم، ويومُ حشرِكم لموقفِ الحسابِ. يَعنى بذلك: متى صِرْتُم إليه وقد خالَفْتُم ما أمرَكم به، وأتَيْتُم ما نهاكم عنه من اتخاذِ الكافرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمنين نالكم مِن عقابِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به. يقولُ: فاتَّقُوه واحْذَروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديدُ العقابِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾.
Juz 5, hlm. 320 ›
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: قل يا محمدُ للذين أمَرْتُهم ألا يتَّخِذوا الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ مِن مُوالاةِ الكفارِ فتُسِرُّوه (¬١)، أو تُبْدوا ذلكم مِن نفوسِكم بألسنتِكم وأفعالِكم فتُظهِروه، ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فلا يَخْفَى عليه. يقولُ: فلا تُضْمِرُوا لهم مودَّةً ولا تُظْهِرُوا لهم مُوالاةً، فيَنالَكم مِن عُقوبةِ ربِّكم ما لا طاقةَ لكم به؛ لأنه يعلمُ سِرَّكم وعَلانيتَكم، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، وهو مُحْصِيه عليكم، حتى يُجازيَكم عليه بالإحسانِ إحسانًا، وبالسيئةِ مثلَها.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخبرهم أنه يَعْلَمُ ما أَسَرُّوا مِن ذلك وما أعلنوا، فقال (¬٢): ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ (¬٣).
وأمَّا قولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه (¬٤) يَعنى أنه إذا (¬٥) كان لا يَخْفَى عليه شيءٌ هو في سماءٍ أو أرضٍ أو حيثُ كان، فكيف يَخْفَى عليه - أيُّها القومُ الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين - ما في صدورِكم من المَيْلِ إليهم بالمودةِ والمحبةِ، أو ما تُبْدُونه لهم بالمعونةِ فعلًا وقولًا؟
وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه يعنى: والله قديرٌ على مُعاجَلتِكم بالعقوبةِ (¬٦) على مُوالاتِكم إياهم، ومُظاهرتِكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاءُ من الأمورِ كلِّها، لا يَتَعذَّرُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَمْتنِعُ عليه شيءٌ طلَبه.
Juz 5, hlm. 321 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.