تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
منهم ما يأمُرونكم به، يُضِلُّوكم فيَرُدُّوكم بعدَ تصديقِكم رسولَ ربِّكم، وبعدَ إقرارِكم بما جاء به من عندِ ربِّكم ﴿كَافِرِينَ﴾. يقولُ: جاحِدِين لما قد آمنتم به وصَدَّقْتُموه من الحقِّ الذي جاءكم من عندَ ربِّكم. فنهاهم جلَّ ثناؤُه أن يَنْتَصِحوهم ويَقْبَلُوا منهم رَأْيًا أو مَشُورةً، ويُعْلَمُهم تعالى ذكرُه أنهم لهم مُنْطَوون على غِلٍّ وغشٍّ وحسدٍ وبَغْضاءَ (¬١).
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قد تقدَّم اللَّهُ إليكم فيهم كما تَسْمَعون، وحذَّركم وأَنْبأكم بضلالتِهم، فلا تَأْمَنوهم على دينِكم، ولا تَنْتَصِحوهم على أنفسِكم، فإنهم الأعداءُ الحَسَدةُ الضُّلَّالُ، كيف تَأْتَمِنون قومًا كفَروا بكتابِهم، وقتَلوا رسلَهم، وتَحَيَّروا في دينِهم، وعجَزوا عن أنفسِهم؟ أولئك واللَّهِ هم أهلُ التُّهَمةِ والعداوةِ (¬٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (¬٣)
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أيها المؤمنون بعدَ إيمانِكم باللَّهِ وبرسولِه، فتَرْتدُّوا على أعقابِكم، ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾. يعنى: حُججَ
Juz 5, hlm. 633 ›
اللَّهِ عليكم التي أَنْزلها في كتابِه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ حُجَّةٌ أُخرى عليكم للَّهِ، مع أي كتابِه، يدعوكم جميعُ ذلك إلى الحقِّ، ويُبصِّرُكم الهدَى والرشادَ، ويَنْهاكم عن الغَيِّ والضلالِ. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فما [وجهُ عذرِكم] (¬١) عندَ ربِّكم في جحودِكم نبوَّةَ نبيِّكم، وارتدادِكم على أعقابِكم، ورجوعِكم إلى أمرِ جاهليتِكم، إن أنتم رَاجَعْتم ذلك وكفَرْتم، وفيه هذه الحُججُ الواضحةُ، والآياتُ (¬٢) البينةُ على خطأَ فعلِكم ذلك إن فَعَلْتُموه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية: عَلَمان بيِّنان؛ وِجدانُ نبيِّ اللَّهِ ﷺ، وكتابُ اللَّهِ؛ فأما نبيُّ اللَّهِ فمَضَى ﷺ، وأما كتابُ اللَّهِ فأبقاه اللَّهُ بينَ أظْهُرِكم رحمةً مِن اللَّهِ ونعمةً، فيه حلالُه وحرامُه، وطاعتُه ومعصيتُه (¬٣).
وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى: ومَن يَتَعلَّق بأسباب الله، ويَتَمَسَّك بدينِه وطاعتِه، ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾. يقولُ: فقد وُفِّق الطريقٍ واضحٍ، ومحجةٍ مستقيمةٍ غيرِ مُعوَجَّةٍ، فَيَسْتَقِيمُ به إلى رضا اللَّهِ، وإلى النجاةِ من عذابِ اللَّهِ، والفوزِ بجنتِه.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾. قال: يؤمن باللَّهِ (¬٤).
Juz 5, hlm. 634 ›
وأصلُ العَصْم المنعُ. فكلُّ مانِعٍ شيئًا فهو عاصِمُه، والمُمْتَنِعُ به مُعْتَصِمٌ به. ومنه قولُ الفَرَزْدَقِ (¬١):
أنا ابن العاصِمِينَ بنى تَمِيمٍ … إذا ما أَعْظَمُ الحَدَثانِ نَابَا
ولذلك قيل للحبلِ: عِصامٌ. وللسببِ الذي يَتَسَبَّبُ به الرجلُ إلى حاجتِه: عِصامٌ. ومنه قولُ الأعشى (¬٢):
إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى (¬٣) … وأخُذُ من كلِّ حَيٍّ عُصُمْ
يعنى بالعُصْمِ الأسبابَ؛ أسبابَ الذِّمةِ والأمانِ. يقالُ منه: اعْتَصَمْتُ بحَبْلٍ مِن فلانٍ، واعتصمتُ حبلًا من منه، واعتصمتُ به، واعتصمتُه. وأفصحُ اللغتين إدخالُ الباءِ، كما قال ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. وقد جاء: اعتصمته. كما قال الشاعر: (¬٤)
إذا أنتَ جازَيْتَ الإخاءَ بمثلِهِ … وآسَيْتَنى ثُمَّ اعتصمتَ حِبالِيَا
فقال: اعتصمتَ حِباليَا. ولم يُدخِل الباءَ. وذلك نظيرُ قولِهم: تناولتُ الخِطامَ، وتناولتُ بالخطامِ، وتعلَّقتُ به، وتعلَّقتُه. كما قال الشاعرُ (¬٥):
تَعَلَّمْتَ هندًا ناشئًا (¬٦) ذاتَ مِئْزَرٍ … وأنت وقد قارَفْتَ (¬٧) لم تَدْرِ ما الحِلْمُ
Juz 5, hlm. 635 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.