تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير
· ابن عاشور
وَعَلَّقَ ذَلِكَ بِعُنْوَانِ الْكَافِرِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْكَافِرِينَ) تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، أَيْ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِنْ قَبْلُ بِأَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَكَذَّبُوا بِالْحَقِّ، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْإِتْيَانَ بِضَمِيرِهِمْ فَعُدِلَ عَنْهُ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ لِإِحْضَارِهِمْ بِوَصْفِ الْكُفْرِ.
وَالْهَمْزَةُ فِي أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، وَأَصْلُهَا: إِمَّا الْإِنْكَارُ بِتَنْزِيلِ الْمُقِرِّ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ لِيَكُونَ إِقْرَارُهُ أَشَدَّ لُزُومًا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِفْهَامِ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتِ التَّقْرِيرَ لِأَنَّ إِنْكَارَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ لِلْمَنْفِيِّ وَهُوَ إِثْبَاتٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى وَجْهِ الْكِنَايَةِ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ بِالْهَمْزَةِ هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ النَّفْيِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَى التَّقْرِيرِ بِشَهَادَةِ الذَّوْقِ وَلِيَاقَةِ مَقَامِ مَدْحِ الْخَلِيفَةِ. وَهَذَا تَقْرِيرٌ لِمَنْ يَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ. جُعِلَ كَوْنُ جَهَنَّمَ مَثْوَاهُمْ أَمْرًا مُسَلَّمًا مَعْرُوفًا بِحَيْثُ يُقِرُّ بِهِ كُلُّ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهُ كِنَايَةً عَنْ تَحَقُّقِ الْمَغَبَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ إِيمَاء الْكِنَايَة.
[٦٩]
[سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ٦٩]
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
خُتِمَ تَوْبِيخُ الْمُشْرِكِينَ وَذَمُّهُمْ بِالتَّنْوِيهِ بِالْمُؤْمِنِينَ إِظْهَارًا لِمَزِيدِ الْعِنَايَةِ بِهِمْ فَلَا يَخْلُو مَقَامُ ذَمِّ أَعْدَائِهِمْ عَنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ الْأَعْدَاءَ غَيْظًا وَتَحْقِيرًا. والَّذِينَ جاهَدُوا فِي اللَّهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْأَوَّلُونَ فَالْمَوْصُولُ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْعَهْدِ. وَهَذَا الْجِهَادُ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْفِتَنِ وَالْأَذَى وَمُدَافَعَةِ كَيْدِ الْعَدُوِّ وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ أول السُّورَة
[العنكبوت: ٦] وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ جِهَادُ الْقِتَالِ كَمَا عَلِمْتَ مِنْ قَبْلُ. وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الصِّلَةَ سَبَبُ الْخَبَرِ. وَمَعْنَى جاهَدُوا فِينا
Juz 21, hlm. 36 ›
جَاهَدُوا فِي مَرْضَاتِنَا، وَالدِّينِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لَهُمْ. وَالظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ، يُقَالُ: هِيَ ظَرْفِيَّةُ تَعْلِيلٍ تُفِيدُ مُبَالَغَةً فِي التَّعْلِيلِ.
وَالْهِدَايَةُ: الْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ بِالتَّيْسِيرِ الْقَلْبِيِّ وَالْإِرْشَادِ الشَّرْعِيِّ، أَيْ لَنَزِيدَنَّهُمْ هُدًى.
وَسُبُلُ اللَّهِ: الْأَعْمَالُ الْمُوصِلَةُ إِلَى رِضَاهُ وَثَوَابِهِ، شُبِّهَتْ بِالطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَى مَنْزِلِ الْكَرِيمِ الْمُكْرِمِ للضيف.
وَالْمرَاد ب الْمُحْسِنِينَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُحْسِنِينَ، أَيْ كَانَ عَمَلُ الْحَسَنَاتِ شِعَارَهُمْ وَهُوَ عَامٌّ. وَفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ فِي عِدَادِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَهَذَا أَوْقَعُ فِي إِثْبَاتِ الْفَوْزِ لَهُمْ مِمَّا لَوْ قِيلَ: فَأُولَئِكَ الْمُحْسِنُونَ لِأَنَّ فِي التَّمْثِيلِ بِالْأُمُورِ الْمُقَرَّرَةِ الْمَشْهُورَةِ تَقْرِيرًا لِلْمَعَانِي وَلِذَلِكَ
جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ قَوْلُهُ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»
. وَالْمَعِيَّةُ: هُنَا مَجَازٌ فِي الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِمْ. وَالْجُمْلَةُ فِي مَعْنَى التَّذْيِيلِ بِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْعُمُومِ. وَإِنَّمَا جِيءَ بِهَا مَعْطُوفَةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُهِمَّ مِنْ سَوْقِهَا هُوَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ، فَعُطِفَتْ عَلَى حَالَتِهِمُ الْأُخْرَى وَأَفَادَتِ التَّذْيِيلَ بِعُمُومِ حُكْمِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا إِيمَاءٌ إِلَى تَيْسِيرِ طَرِيقِ الْهِجْرَةِ الَّتِي كَانُوا يَتَأَهَّبُونَ لَهَا أَيَّامَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
Juz 21, hlm. 37 ›
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٣٠- سُورَة الرّوم
بِسم الله الرّحمن الرّحيم هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ الرُّومِ فِي عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى مِنَ السُّورَةِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ اسْمِ الرُّومِ وَلَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِالِاتِّفَاقِ، حَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ «الْإِتْقَانِ» فِي السُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِي مَكِّيَّتِهَا وَلَا فِي بَعْضِ آيِهَا. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:
أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَتَكُونُ عِنْدَهُ مَدَنِيَّةً. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَفَرِحُوا بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ الم غُلِبَتِ الرُّومُ إِلَى قَوْلِهِ بِنَصْرِ اللَّهِ [الرّوم: ١- ٥] وَكَانَ يَقْرَؤُهَا غُلِبَتِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ، وَأَنَّهُ قَرَأَ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الرّوم: ٣] بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ، وَنَسَبَ مِثْلَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَتَأَوَّلَهَا أَبُو السُّعُودِ فِي «تَفْسِيرِهِ» آخِذًا مِنَ «الْكَشَّافِ» بِأَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى غَلَبِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّومِ. قَالَ أَبُو السُّعُودِ: وَغَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَنَةَ تِسْعٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [الرّوم: ١٧] الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فَرْضًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ هُوَ رَكْعَتَانِ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَيَسَّرِ لِلْمُسْلِمِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى شُذُوذٍ.
وَهِيَ السُّورَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ فِي تَعْدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الِانْشِقَاقِ
Juz 21, hlm. 39 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.