تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة العنكبوت)
[﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾].
﴿الم (١)﴾ ذُكِرَ في «البقرة» (¬١).
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا بمكة
Juz 3, hlm. 459 ›
مستضعفين، منهم عمار بن ياسر وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذِّبونهم على الإسلام، فضاقت صدورهم بذلك، فآنسهم الله بهذه الآية، ووعظهم، وأخبرهم أن ذلك اختبار؛ ليوطِّنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبوت على الإيمان، وأعلمهم تعالى أن تلك سيرته في عباده، يُسلَّط الكفار على المؤمنين؛ ليمحِّصَهم (¬١) بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب.
ولفظها مع ذلك عامٌّ، فحكمها على العموم في كل من أصابته فتنة؛ من مصيبة أو مضرَّةٍ في النفس والمال وغير ذلك.
ومعنى ﴿أَحَسِبَ﴾: ظنَّ، و ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ مفعولها، والهمزة للإنكار، ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: في موضع الحال من الضمير في ﴿يُتْرَكُوا﴾ تقديره: غير مفتونين.
و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: تعليلٌ في موضع المفعول من أجله.
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: يعلم صِدْقَهم علمًا ظاهرًا في الوجود، وقد كان عَلِمَه في الأزل.
والصدق والكذب في الآية يعني بهما: صحة الإيمان والثبوت عليه، أو ضدَّ ذلك.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ ﴿أَمْ﴾ معادلة لقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾.
Juz 3, hlm. 460 ›
والمراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الكفار الذي يعذبون المؤمنين. ولفظها مع ذلك عامٌّ في كل كافر وعاصٍ.
ومعنى ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يفوتون عقابنا ويُعجزوننا.
فمعنى الكلام: نفيُ سبقهم، كما أن معنى الآية قبلها: نفيُ ترك المؤمنين بغير فتنة.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ الآية؛ تسليةٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالخير في الآخرة.
والرجاءُ هنا: على بابه.
وقيل: هو بمعنى الخوف.
و ﴿أَجَلَ اللَّهِ﴾ الموت، ومعنى ﴿لَآتٍ﴾ قريب الإتيان؛ فإن كل ما هو آتٍ قريب.
ومعنى الآية: من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا حتى يلقى الله فيُجازيه؛ فإن لقاء الله قريبٌ.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: منفعة جهاده إنما هي لنفسه؛ فإن الله لا تنفعه طاعة العباد.
والجهاد هنا يَحتمل أن يراد به:
القتال.
أو جهاد النفس.
Juz 3, hlm. 461 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.