فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
لم يكن شيئاً؛ حتى تقول: حسبت زيداً عالماً؛ وظننت الفرس جواداً، لأنّ قولك: زيدٌ عالم، أو الفرس جواد: كلامٌ دال على مضمون، فإن أردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (لم يكنْ شيئَا) أي: كلامًا مفيدًا، والضميرُ في ((يَكُنْ)) يعودُ إلى القولِ الَّذي يدلُّ عليه قولُه: ((لَوْ قُلْتَ)).
قولُه: (ثابتًا عندَك) حالٌ إمَّا مِنْ فاعلِ ((أَردْتَ))، أوْ ((عن ذلك المَضمونِ))، وقيل: هو منصوبٌ عن كونِ مقدَّرٍ، أوْ عنَ كونِ ((ذلكَ المضمونِ ثابتًا عندَك))، يدلُّ عليه قولُه: ((فلمْ تَجدْ بُدًّا في العبارةِ عن ثَباتِه عندَك))؛ لأنَّه مِنَ التَّركِ الَّذي هو بِمعنى التَّصيير؛ يعني: يتعدَّى على مفعولَيْن، يشهدُ له الاستشهاد، وما سبقَ في أوَّلِ ((البقرةِ)) في قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، وفيهِ نَظَر؛ لأنّ قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ حالٌ، الواوُ صادَّةٌ عن جعلِ الجُمْلة ثاني مفعولَيْ: تَرك.
والظاهرُ أنَّه ممَّا يَتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ بمعنى يُخَلَّوا أو يُطرَحوا، ولعلَّه مالَ إلى مذهب الأخفش، حيث جوَّز دخولَ الواوِ في خبرِ ((كانَ)) وأخوَاتِها.
قالَ شارحُ أبياتِ ((المفصَّل)): حُكيَ عن الأخفشِ: أنَّه كانَ يُجوِّز كان زيدٌ وأبوهُ قائِمٌ؛ على نُقصانِ ((كان)) وجَعْلِ الجملةِ خبرًا معَ الواو، وتَشبيهِها لخبرِ ((كانَ)) بالحال، وهذا كأنَّه التفاتٌ إلى مذهبِ الكوفيِّ، أنّ عندَه خبرُ ((كانَ)) حالٌ لا خبرٌ، وعليه قولُ المَعرّي:
وَكَانتْ كالنَّخِيلِ وظَلَّ كُلٌّ … وَمُشْبِهَةً مِنَ الضُّمْرِ الإِهَانُ
المِصْراعُ الأخيرُ جملةٌ معَ الواوِ وخبر ظل.
وأبطلَ أبو عليٍّ قولَ الكوفيِّ: تقولُ العرب: كنتُ إيَّاه وكنتُه، فالضمير الجامد لا يقعُ حالاً، إذْ هو لازمُ التَّعريف. لعلَّ مذهبَه كمذهبِ يُونس، إذْ هوَ يجوِّزُ تعريفَ الحال.
Juz 12, hlm. 129 ›
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقالَ صاحبُ ((التَّقريب)) في قولِه: ((أَحسِبوا تَركَهُم غيرَ مفتونِين كقولهِم: ﴿آمَنَّا﴾)) نَظَر؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تُركوا غيرَ مفتُونِين. وإنّما الكلامُ في العلِّةِ وليسَ كذلكَ لما ذكر من معنى الآية: أي أَحَسِبَ الذين نَطقُوا بكلمة الشهادة أنّهم يُتركون غيرَ مُمتَحَنين، بل يُمتَحنون ليتميَّزَ الراسخُ في الدِّين من غيرِه. ولسَبَبِ النُّزولِ.
فالوجهُ أن يُجعلَ ﴿أَن يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسدَّ مفعوليَ ((حَسِبَ)) كما سَيذكر في ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ بعدَ ((حَسِبَ)) ونظائرِه، و ﴿أَن يَقُولُوا﴾ علَّةً للحِسْبان؛ أي: أَحَسِبوا كقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ أن يُتركوا غيرَ مفتُونين بسبب قولِهم هذا لا بسببٍ آخَر، وليس الكلامُ إلاّ في أنْ جَعَلوا قولَهم علَّةً لقولهم: ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾.
وأما سَببُ النُّزولِ: فهو أنَّ ناسًا من الصحابة جَزِعوا من أذى المشركين، إلى آخره.
وأُجيبَ: أنَّ ذلك إنّما لَزِم أنْ لو كان التقديرُ ما ذَكَره، أمّا لو قُدِّر: أَحَسِبُوا تَرْكُهُم غيرَ مفتُونينَ يحصلُ لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، كما نصَّ عليه المصنِّفُ بقوله: ((على تقدير: حاصِلٌ ومستقرٌّ، قَبلَ اللاّم)) استقام، كأنّه قيل: لا ينبغي أن تَحسَبُوا أنَّ إجراءَ كلمةِ الشهادةِ على ألسنَتِكُم سببٌ لأنْ لا تُفتَنُوا؛ لأنّه مُقتَضٍ لازدياد الفتنةِ على ما سيجيءُ في حديث خبّابِ ابنِ الأَرتِّ، فإن لم يجعلوه مقتضيًا له فَلأَنْ لا يَجعلُوه لِعَدمِه أَولى.
والحاصل أنّ دلالة المفهوم الذي ذَكَره، وأن الكلام في العلَّة مهجور؛ لأنَّ الكلام مع قومٍ مخصوصينَ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبوَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقال الزَّجاجُ: في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ معنى التَّقريرِ والتَّوبيخِ؛ أي: أَحَسِبوا أن نقنعَ منهم بأن يقولوا: إنّا مؤمنون فقط ولا يُمتَحنون بما تَتبيَّنُ به حقيقةُ إيمانِهم، وموضعُ ((أَنْ)) الأُولى نصبٌ؛ لأنَّه اسمُ ((حَسِبَ)) وخبرُه، وموضعُ ((أَنْ)) الثانية إما نصبٌ بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾.
المعنى: أَحَسِبَ النّاسُ أن يُتركوا لأنْ يَقولوا أو بأنْ يقولوا، ثم حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ، وإمّا أن يكونَ العاملُ فيها ﴿أَحَسِبَ﴾، كأن المعنى: أَحَسِب الناسُ أن يقولوا: آمنّا وهم لا يُفتنون. والأوَّلُ أجودُ.
Juz 12, hlm. 130 ›
على وجه الظن لا اليقين، فلم تجد بدّا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه، من ذكر شطرى الجملة مدخلاً عليهما فعل الحسبان، حتى يتم لك غرضك. فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟ قلت: هو في قوله: (أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، فالترك أول مفعولي "حسب"؛ ولقولهم: آمنا، هو الخبر. وأما «غير مفتونين» فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله:
فتركته جزر السّباع ينشنه
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان، تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين، لقولهم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتَرَكْنَهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ)، تَمامُه:
يَقْضُمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمْعْصَمِ
وفي روايةٍ: ((يَقْضَمْنَ قُلَّةَ رأسِه)).
جزَرَ السِّباعِ: اللَّحمُ الذي تأكلُه، وهو مفعولٌ ثانٍ إن كان التَّرْكُ بمعنى التَّصييرِ، وإلاّ فحالٌ؛ أي: تَركنَه وهو جَزَرُ السِّباعِ. النَّوْشُ: التَّناوُلُ. القَضْمُ: الأكلُ بطَرَف الأسنانِ. يصف مقتولاً. إذا كانت الروايةُ بالنُّون فالضَّميرُ في ((تَرَكنه)) للخيل، وإذا كانت بالتاء فللشاعِر، والمسموعُ بالنُّون.
الراغب: التَّرْكُ: رفضُ الشيءِ قَصْدًا واختيارًا، أو قَهْرًا واضطِرارًا، فمِنَ الأوَّلِ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضُهْمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، ومِنَ الثاني قولُه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥]. ومنه: تَرِكُةُ فلانٍ؛ لِمَا يُخلِّفُه بعدَ موتِه.
وقد يُقال في كلِّ فعلٍ ينتهي به إلى حالةٍ ما؛ نحو: تَرِكَتُه كذا، أو يَجري مَجْرى: جَعلتُه كذا، نحو: تَركتُ فلانًا.
Juz 12, hlm. 131 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.