مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مَسَّنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به.
﴿الضُّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني... إلخ. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة على تقدير: قال: إني... إلخ، أي: فهي في محل نصب مقول القول لهذا المقدر، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الضُّرُّ﴾ أو من ياء المتكلم، والرابط: الواو فقط على الاعتبارين. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. تأمل، وتدبر.
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أي: دعاءه، وانظر الآية [٨٨]، قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء، والأدباء في دار السلطان، فسئلت عن هذه الآية، أي السابقة. بعد إجماعهم على أن قول أيوب شكاية، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء. بيانه: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ والاستجابة تتعقب الدعاء؛ لا الاشتكاء، فاستحسنوه، وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: عرّفه فاقة السؤال؛ ليمنّ عليه بكرم النوال. انتهى. قرطبي.
هذا؛ ومدة البلاء كانت ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، فقد روي: أن امرأته قالت له يوما: لو دعوت الله! فقال لها: كم سنة كانت مدة الرخاء، والنعمة؟ فقالت: كانت ثمانين سنة، فقال: أستحيي من الله أن أدعوه، وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.
﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ:﴾ بالشفاء من مرضه. ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ:﴾ قال ابن عباس، وابن مسعود، وأكثر المفسرين-﵃ أجمعين-: رد الله إليه أهله بأعيناهم، أحياهم الله، وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن. قال القرطبي: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل انقضاء آجالهم، حسب ما تقدم بيانه في سورة (البقرة) في قصة ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية رقم [٢٤٣] وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة، فماتوا، ثم أحيوا الآية رقم [١٥٥] من سورة (الأعراف). وعن ابن عباس في رواية أخرى: أن الله ردّ إلى المرأة شبابها، فولدت له ستة وعشرين ذكرا. وقيل: كان له سبع بنين، وسبع بنات، فأحياهم الله له، وولدت زوجته مثلهم.
وفي الخبر: أن الله بعث إليه جبريل ﵇، فقال له: اركض برجلك، فركض برجله فنبعت عين ماء حار، فأمره أن يغتسل منها، ففعل، فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين
Juz 6, hlm. 82 ›
خطوة، فأمره أن يضرب الأرض برجله مرة أخرى، ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب، فذهب كل داء بباطنه، فصار كأصحّ ما كان.
هذا؛ وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أيوب يغتسل عريانا، خرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيّوب يحثي في ثوبه، فناداه ربّه: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟! قال: بلى يا ربّ! ولكنّي لا غنى لي عن بركتك». أخرجه البخاري. وعن أنس ﵁ يرفعه: أنه كان لأيوب ﵇ أندران: أندر للقمح، وأندر للشّعير، فبعث سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق؛ حتّى فاضا، فقال له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن يشبع من فضل الله؟ فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصّبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أنّي وضعت تحت كلّ شعرة منك صبرا ما صبرت. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف.
﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: كان البلاء لأيوب، والصبر عليه نعمة سابغة، ورحمة عظيمة من العلي القدير؛ الذي تولاه بعنايته، وحفظه من التضجر، وعدم الصبر برعايته. ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي: عبرة، وتذكرة للعابدين إلى يوم القيامة؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب، وصبره عليه، ومحنته له، وهو أفضل أهل زمانه؛ وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا على مثال ما فعل أيوب، وصبروا كما صبر، وأثيبوا كما أثيب.
وأخيرا أذكر لك: أن الله تعالى ذكر أيوب باسمه فقط في الآية رقم [١٦٣] من سورة (النساء)، والآية رقم [٨٤] من سورة (الأنعام)، وذكر في هذه السورة بذكر بلائه ونعمة الله عليه كما ذكر في الآية رقم [٤١] وما بعدها من سورة (ص) بأكثر مما ذكر في هذه السورة، كما ستقف عليه بعون الله تعالى، وتوفيقه.
الإعراب: ﴿فَاسْتَجَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. (كشفنا): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ ضُرٍّ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، وجملة: ﴿فَكَشَفْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وأيضا جملة: ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ:﴾ معطوفة عليها.
﴿وَمِثْلَهُمْ:﴾ معطوفة على أهله، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من (مثلهم). ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول لأجله، أو مفعول مطلق بفعل محذوف، التقدير: رحمناه رحمة. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان ب:
﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَذِكْرى:﴾ معطوف على ﴿رَحْمَةً﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿لِلْعابِدِينَ:﴾ متعلقان بذكرى، أو بمحذوف صفة لها.
Juz 6, hlm. 83 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.