تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
حسنِها وسيِّئِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا رآك يا محمدُ الذين كَفَروا باللهِ ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. يقولُ: ما يَتَّخِذُونك إِلَّا سِخْرِيًّا يقولُ بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾. يعنى بقولِه: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: يذكرُ آلهتَكم بسوءٍ ويُعيبُها؛ تعجُّبًا مِنهم مِن ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى ذِكرُه: فيَعجَبون مِن ذِكْرِك يا محمدُ آلهتَهم التي لا تضرُّ ولا تَنفَعُ بسوءٍ، وهم يذكْرِ الرحمنِ الذي خلَقهم وأنعَم عليهم، ومنه نَفْعُهم، وبيدِه ضرُّهم، وإليه مَرْجِعُهم، بما هو أهلُه مِنهم أن يَذكُروه به - كافرون.
والعربُ تضَعُ الذِّكرَ موضِعَ المدحِ والذمِّ، فيقولون: سمِعْنا فلانًا يَذْكُرُ فلانًا. وهم يُريدُونَ: سَمِعْناه يَذْكُرُه بقبيحٍ ويَعيبُه - ومِن ذلك قولُ عنترةَ (¬١):
لا تَذكُرِى مُهْرِى وما أَطْعَمْتُه … فيكونَ (¬٢) جلدُكِ مِثلَ جِلدِ الأَجْرَبِ
يعنى بذلك: لا تَعِيبى مُهْرِى - وسَمِعْناه يَذْكُرُه بخيرٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾. يعني آدمَ، ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: مِن عَجَلٍ في بِنْيَتِه
Juz 16, hlm. 270 ›
وخَلْقِه (¬١)، كان مِن العَجَلَةِ (¬٢)، وعلى العجَلَةِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: لمَّا نُفِخ في آدمَ الروحُ في رُكبتَيْهِ ذَهَب لِينهضَ، فقال اللهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (¬٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما نُفِخ فيه، يعني في آدمَ، الروحُ، فدخَل في رأسِه عطَس (¬٤)، فقالت الملائكةُ: قُلْ: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال اللهُ له: رحِمكَ ربُّك. فلمَّا دخَل الروحُ في عَيْنَيْه نظَر إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فلمَّا دخَل في جوفِه اشْتَهى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تبلغَ الروحُ رجُلَيه عَجْلَانَ إلى ثمارِ الجنةِ، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. يقولُ: خُلِق الإنسانُ عَجُولًا (¬٥).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن (¬٦) ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: خُلِق عَجُولًا (¬٧).
وقال آخرون: معناه ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. أي: من تَعْجِيلٍ فِي خَلْقِ اللَّهِ
Juz 16, hlm. 271 ›
إيَّاه ومِن سُرعةٍ فيه وعلى عَجَلٍ. وقالوا: خلَقه اللهُ في آخِرِ النَّهَارِ يومَ الجُمُعةِ قبلَ غُروبِ الشمسِ على عجلٍ في خَلْقِهِ إِيَّاه قبلَ مَغيبِها.
ذِكْرُ مِن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (¬١) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: قولُ آدمَ حينَ خُلِق بعدَ كلِّ شيءٍ آخرَ النهارِ مِن يومِ خُلِق الخَلْقُ، فلمَّا أَحْيا الروحُ عَينَيْه ولسانَه ورأسَه، ولم يَبلُغْ أسْفَلَه، قال: يا ربِّ اسْتَعْجِلْ بخَلْقِى قبلَ غروبِ الشمسِ (¬٢).
[حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه] (¬٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: آدمُ حينَ خُلِق بعدَ كلِّ شيءٍ. ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنَّه قال في حديثِه: اسْتَعْجِلْ بخَلْقِي فقد غَرَبتِ الشمسُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. قال: على عَجَلٍ خُلِق آدمُ آخِرَ ذلك اليومِ من [ذلك اليومِ] (¬٤)، يريدُ يومَ الجُمُعةِ، وخَلَقه على عجلٍ، وجعَلَه عَجُولًا (¬٥).
Juz 16, hlm. 272 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.