تفسير ابن كمال باشا
· ابن كمال باشا
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يجوز أن يُعطف على علَّةٍ محذوفة؛ أي: لتَعْلَموا ما شُرِعَ لكم ولتكْملوا العدَّةَ، أو على ﴿الْيُسْرَ﴾؛ أي: يريدُ اللّه بكم اليسرَ ويريدُ لتكمِلوا العدَّة؛ كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ قيل: هو تكبيرُ يوم الفِطْر، وقيل: التكبيرُ عند الإهلال، ضُمِّن فعلُ التكبير معنى الحمدِ فعُدِّي بـ (على)، فكان المعنى: حامدِينَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: على هدايتكم.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: إرادةَ أن تشكروا، مَجازٌ لاشتراك المرجوِّ والمرادِ في الترجُّح.
والأفصحُ أن يُجعل ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (¬١) إلخ عِللًا لفعلٍ معلَّلٍ محذوفٍ مدلولٍ عليه بما ذُكر من قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ إلخ؛ أي: ولهذه الأمور شُرع ذلك، فقولُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علَّةٌ للأمر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ علَّةٌ للأمر بصوم الشاهد في الشهر، وإفطارِ المسافر والمريض، وما عُلم من كيفية القضاء والخروجِ عن عُهدة الفطر؛ أي: ولتعظِّموا اللّه وتُثْنوا عليه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علَّةٌ الترخيص (¬٢)، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك، لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحُذَّاقُ من علماء البيان.
* * *
(١٨٦) - ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
Juz 2, hlm. 31 ›
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ مرتبِطٌ بما تقدَّم من جهةِ أنه لمَّا حَثَّ على تكبيره وشكره بيَّن أنَّ الذي يذكرونه ويشكرونه قريبٌ منهم، ولهذا فصله (¬١) به بين حُكمي رمضان.
﴿عِبَادِي﴾ شرَّفهم بالإضافة إلى نَفْسه.
﴿عَنِّي﴾؛ أي: عن صِفتي ومعامَلتي معهم إذا دعَوني.
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لم يقل: (فقل: إني قريبٌ) كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه تعالى تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، فتقديرُ الكلام: (فأقولُ: إني قريب).
رُوي أن أعرابيًّا قال لرسول اللّه ﷺ: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت (¬٢). تمثيلٌ لحاله في إجابةِ الداعي بحالِ مَن قرُبَ مكانُه من مكانه، فيُلبِّيه (¬٣) إذا دعاه؛ لأنَّه تعالى عن المكان، فإنه كانَ ولا مكانَ وهو الآن على ما كان.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ تقريرٌ للقرب، ووعدٌ للدَّاعي بالإخلاص مقرونًا بشرائطه بالإجابة (¬٤)، والإجابةُ من الجَوْب: وهو القطعُ، فإجابةُ السائل: القطع بما سأل؛ لأنَّ سؤاله على الوقف: أيكونُ أم لا يكون (¬٥).
Juz 2, hlm. 32 ›
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: أنا أُجيبُهم فيما دعَوني فعليهم أنْ يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالائتمارِ فيما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه.
قال أبو عبيدةَ: الاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ؛ كالإنابة والاستنابة، وأنشد لكعبِ بنِ سعدٍ الغَنَويِّ:
وداعٍ دَعَا يا مَن يُجيب إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبهُ عند ذاكَ مجيبُ (¬١)
أي: لم يُجبه.
هذا ما بحسَبِ جَليلِ النظر، والذي بحسب دقيقِه وهي: أنه تعالى إنما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ ولم يقل: فلْيُجيبوا؛ لِلَطيفةٍ وهي: أنَّ حقيقة الاستجابة طلبُ الإجابة وإنْ كان قد يُستعمل في معنى الإجابة، فبيَّن (¬٢) أن العباد متى تحرَّوا إجابتَه بقَدْرِ وُسعِهم فإنه (¬٣) يرضَى به عنهم، هذا فيما يتولَّاه الجوارح من الأعمال، وأمَّا الذي يتعلَّق بالإذعان القلبي من الإيمان فلا بدَّ فيه من حقيقة الإجابة، ولهذا أفرده بالذكر بقوله:
﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مع انتظامه فيما (¬٤) تقدَّم بحسب جَليل النظر.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ راجينَ الرُّشد وهو إجابةُ الخير، ونقيضُه: الغي.
وقرئ بفتح الشين وضمِّها (¬٥)؛ أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ
Juz 2, hlm. 33 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.