تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تَفْجُرَ﴾؛ فرُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه قرَأ: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾. خفيفةً (¬١)، وقولَه: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ بالتشديدِ، وكذلك كانت قرأةُ الكوفيين يقرَءُونها (¬٢). فكأنهم ذهَبُوا بتخفيفِهم الأولى إلى معنى: حتى تَفْجُرَ لنا من الأرضِ ماءً مرةً واحدةً. وبتشديدِهم الثانيةَ إلى أنها تَفْجيرٌ في أماكنَ شتَّى، مرةً بعد أُخْرَى، إذ كان ذلك تفجيرَ أنهارٍ لا نهرٍ واحدٍ. والتخفيفُ في الأولى والتشديدُ في الثانيةِ على ما ذكَرتُ من قراءةِ الكوفيين أعجبُ إليَّ لما ذكَرتُ من افتراقِ معنييهما، وإن لم تَكُنِ الأُخرى (¬٣) مدفوعةً صحتُها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقال لك يا محمدُ مشركو قومِك: لن نُصَدِّقَك حتى تَسْتَنْبِطَ لنا عينًا من أرضِنا، تَدَفَّقُ بالماءِ أو تَفُورُ، أو يكونَ لك بستانٌ، وهو الجنةُ، من نخيلٍ وعِنَبٍ، فتُفَجِّرَ الأنهارَ (¬٤) بأرضِنا هذه التي نحن بها ﴿خِلَالَهَا﴾. يعنى: خلالَ النخيلِ والكرومِ.
ويعنى بقولِه (¬٥): ﴿خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: بينَها في أُصولِها، تفجيرًا بسببِ أُبَنَتِها (¬٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.
Juz 15, hlm. 79 ›
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿كِسَفًا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بسكونِ السينِ (¬١). بمعنى: أو تُسْقِطَ السماءَ كما زعَمْتَ علينا كِسْفًا. وذلك أن الكِسْفَ في كلامِ العربِ جمعُ كِسْفَةٍ، وهو جمعُ الكثيرِ من العددِ [وللجنسِ] (¬٢)، كما تُجْمَعُ السِّدْرَةُ "سدْرٌ"، والتَّمْرَةُ "تَمْرٌ"، فحُكِى عن العربِ سماعًا: أعطِني كِسْفَةً من هذا الثوبِ. أي: قطعةً منه. يقالُ منه: جاءنا بثريدٍ كِسْفٍ. أي: قِطَعِ (¬٣) خُبْزٍ.
وقد يَحْتَمِلُ إذا قُرِئَ كذلك: (كِسْفًا). بسكونِ السينِ، أن يكونَ مُرَادًا به المصدرُ من "كَسَفَ". فأما "الكِسَفُ" بفتحِ السينِ، فإنه جمعُ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، يقالُ: كِسْفَةٌ واحدةٌ، وثلاثُ كِسَفٍ. وكذلك إلى العشرِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿كِسَفًا﴾. بفتحِ السينِ (¬٤)، بمعنى جمعِ الكِسْفَةِ الواحدةِ من الثلاثِ إلى العشرِ، يعنى بذلك قِطَعًا ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ.
وأولَى القراءتَيْن في ذلك بالصوابِ عندى (¬٥) قراءةُ مَن قرَأ بسكونِ السينِ؛ لأن الذين سألُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ذلك، لم يَقْصِدُوا في مسألِتهم إياه ذلك أن يكونَ بحدٍّ معلومٍ من القِطَعِ، إنما سأَلُوه أن يُسْقِطَ عليهم السماءَ قِطَعًا. وبذلك جاء التأويلُ أيضًا من (¬٦) أهلِ التأويلِ.
Juz 15, hlm. 80 ›
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كِسَفًا﴾. قال: السماءُ جميعًا (¬١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال ابن جريجٍ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال: هذه (¬٢) مرةً واحدةً. والتي في "الروم" ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨]. قال: قِطَعًا. قال ابن جريجٍ: كِسَفًا؛ لقولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩].
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾. قال: أي: قِطَعًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كِسَفًا﴾. قال: قِطعًا (¬٣).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿كِسَفًا﴾. يقولُ: قطعًا (¬٤).
Juz 15, hlm. 81 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.