تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير
· ابن عاشور
: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»
، أَيِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ لَا يَرْفَعُ رَأسه لينْظر.
[٤]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٤]
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)
إِذْ قالَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ أَوْ بَعْضٍ مِنْ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [سُورَة يُوسُف: ٣] عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَإِنَّ أَحْسَنَ الْقَصَصِ يَشْتَمِلُ عَلَى قَصَصٍ كَثِيرٍ، مِنْهُ قَصَصُ زَمَانِ قَوْلِ يُوسُفَ- ﵇ لِأَبِيهِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَمَا عَقَبَ قَوْلَهُ ذَلِكَ مِنَ الْحَوَادِثِ. فَإِذَا حُمِلَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [سُورَة يُوسُف: ٣] عَلَى الْمَصْدَرِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ إِذْ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ، وَالتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ.
وَيُوسُفُ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ إِلَخْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٨٣] . وَهُوَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ زَوْجِهِ (رَاحِيلَ) . وَهُوَ أَحَدُ الْأَسْبَاطِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ يُوسُفُ أَحَبَّ أَبْنَاءِ
يَعْقُوبَ- ﵉ إِلَيْهِ وَكَانَ فَرْطُ مَحَبَّةِ أَبِيهِ إِيَّاهُ سَبَبَ غَيْرَةِ إِخْوَتِهِ مِنْهُ فَكَادُوا لَهُ مَكِيدَةً فَسَأَلُوا أَبَاهُمْ أَنْ يَتْرُكَهُ يَخْرُجُ مَعَهُمْ. فَأَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ بِعِلَّةِ اللَّعِبِ وَالتَّفَسُّحِ، وَأَلْقُوهُ فِي جُبٍّ، وَأَخْبَرُوا أَبَاهُمْ أَنَّهُمْ فَقَدُوهُ، وَأَنَّهُمْ وَجَدُوا قَمِيصَهُ مُلَوَّثًا بِالدَّمِ، وَأَرَوْهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ أَنْ لَطَّخُوهُ بِدَمٍ، وَالْتَقَطَهُ مِنَ الْبِئْرِ سَيَّارَةٌ مِنَ الْعَرَبِ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ كَانُوا سَائِرِينَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى مِصْرَ، وَبَاعُوهُ كَرَقِيقٍ فِي سُوقِ عَاصِمَةِ مِصْرَ
Juz 12, hlm. 205 ›
السُّفْلَى الَّتِي كَانَتْ يَوْمَئِذٍ فِي حُكْمِ أُمَّةٍ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ يُعْرَفُونَ بِالْعَمَالِقَةِ أَوِ (الْهُكْصُوصُ) . وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ (أَبُو فِيسَ) أَوِ (ابِيبِي) . وَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حُدُودِ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعمِائَةٍ وَأَلْفٍ قَبْلَ الْمَسِيحِ- ﵇، فَاشْتَرَاهُ (فُوطِيفَارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ الْمُلَقَّبُ فِي الْقُرْآنِ بِالْعَزِيزِ، أَيْ رَئِيسُ الْمَدِينَةِ. وَحَدَثَتْ مَكِيدَةٌ لَهُ مِنْ زَوْجِ سَيِّدِهِ أُلْقِيَ بِسَبَبِهَا فِي السِّجْنِ. وَبِسَبَبِ رُؤْيَا رَآهَا الْمَلِكُ وَعَبَّرَهَا يُوسُفُ- ﵇ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، قَرَّبَهُ الْمَلِكُ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَأَوْلَاهُ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ، وَهُوَ لَقَبُ الْعَزِيزِ وَسَمَّاهُ (صَفْنَاتِ فَعَنِيجِ) ، وَزَوَّجَهُ (أَسْنَات) بِنْتَ أَحَدِ الْكَهَنَةِ وَعُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَفِي مُدَّةِ حُكْمِهِ جَلَبَ أَبَاهُ وَأَقَارِبَهُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ، فَذَلِكَ سَبَبُ اسْتِيطَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْضَ مِصْرَ. وَتُوُفِّيَ بِمِصْرَ فِي حُدُودِ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَأَلْفٍ قَبْلَ مِيلَادِ عِيسَى- ﵇. وَحُنِّطَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَوُضِعَ فِي تَابُوتٍ، وَأَوْصَى قبل مَوته قومه بِأَنَّهُمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ يَرْفَعُونَ جَسَدَهُ مَعَهُمْ.
وَلَمَّا خَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ رَفَعُوا تَابُوتَ يُوسُفَ- ﵇ مَعَهُمْ وَانْتَقَلُوهُ مَعَهُمْ فِي رحلتهم إِلَى إِلَى أَنْ دَفَنُوهُ فِي (شَكِيمَ) فِي مُدَّةِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ.
وَالتَّاءُ فِي (أَبَتِ) تَاءٌ خَاصَّةٌ بِكَلِمَةِ الْأَبِ وَكَلِمَةِ الْأُمِّ فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً عَلَى نِيَّةِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ، فَمُفَادُهَا مُفَادُ: يَا أَبِي، وَلَا يَكَادُ الْعَرَبُ يَقُولُونَ: يَا أَبِي. وَوَرَدَ فِي سَلَامِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ وَصَاحِبِهِ حِينَ وَقَفَ عَلَى قُبُورِهِمُ الْمُنَوَّرَةِ. وَقَدْ تَحَيَّرَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فِي تَعْلِيلِ وَصْلِهَا بِآخِرِ الْكَلِمَةِ فِي النِّدَاءِ وَاخْتَارُوا أَنَّ أَصْلَهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ بِقَرِينَةِ أَنَّهُمْ قَدْ يَجْعَلُونَهَا هَاءً فِي الْوَقْفِ، وَأَنَّهَا جُعِلَتْ عِوَضًا عَنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لِعِلَّةٍ غَيْرِ وَجِيهَةٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ أَصْلَهَا هَاءُ السَّكْتِ جَلَبُوهَا لِلْوَقْفِ عَلَى آخِرِ الْأَبِ لِأَنَّهُ نُقِصَ مِنْ لَامِ الْكَلِمَةِ، ثُمَّ لَمَّا شَابَهَتْ هَاءَ التَّأْنِيثِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ عُومِلَتْ مُعَامَلَةَ آخِرِ الْكَلِمَةِ إِذَا أَضَافُوا الْمُنَادَى فَقَالُوا: يَا أَبَتِي، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ يَاءِ الْإِضَافَةِ
Juz 12, hlm. 206 ›
بِالْكَسْرَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ بَقَاءُ الْيَاءِ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ الَّذِي لَا نَعْرِفُهُ:
أَيا أَبَتِي لَا زِلْتَ فِينَا فَإِنَّمَا ... لَنَا أَمَلٌ فِي الْعَيْشِ مَا دُمْتَ عَائِشًا
وَيَجُوزُ كَسْرُ هَذِهِ التَّاءِ وَفَتْحُهَا، وَبِالْكَسْرِ قَرَأَهَا الْجُمْهُورُ، وَبِفَتْحِ التَّاءِ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ.
وَالنِّدَاءُ فِي الْآيَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُنَادَى حَاضِرًا مَقْصُودٌ بِهِ الِاهْتِمَامُ بِالْخَبَرِ الَّذِي سَيُلْقَى إِلَى الْمُخَاطَبِ فَيُنْزِلُ الْمُخَاطَبَ مَنْزِلَةَ الْغَائِبِ الْمَطْلُوبِ حُضُورُهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الِاهْتِمَامِ أَوِ اسْتِعَارَةٌ لَهُ.
وَالْكَوْكَبُ: النَّجْمُ، تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٧٦] .
وَجُمْلَةُ رَأَيْتُهُمْ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، جِيءَ بِهَا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي حِكَايَةِ الْمَرَائِي الْحُلْمِيَّةِ أَنْ يُعَادَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا أَوِ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، كَأَنَّ سَامِعَ الرُّؤْيَا يَسْتَزِيدُ الرَّائِي أَخْبَارًا عَمَّا رَأَى.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا
وَقَعَ فِي «الْمُوَطَّأِ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ»
الْحَدِيثَ.
وَفِي البُخَارِيّ أنّ النبيء ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ.. وَاللَّهِ خَيْرٌ»
. وَقَدْ يَكُونُ لَفْظٌ آخَرُ فِي الرُّؤْيَا غَيْرَ فِعْلِهَا كَمَا
فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ»
الْحَدِيثَ بِتَكْرَارِ كَلِمَةِ (إِنَّ) وَكَلِمَةِ (إِنَّا) مِرَارًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
Juz 12, hlm. 207 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.