تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
والدين: الجزاء والحساب. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيون محاسبون، وفي الحديث: "الكَيِّس من دان نفسه وعَمِل لما بعد الموت" (¬١٤١). أي: حاسب نفسه. كما قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾] [¬١].
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾
[قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من "إياك"، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأنَّ "إيا" ضوء الشَّمس، وقرأ بعضهم "أياك" بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشَّاعر:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت … موارده ضاقت عليك مصادره
و "نستعين" بفتح النون أوّل الكلمة في قراءة الجميع سوى يَحْيَى بن وثاب، والأعمش فإنهما كسراها. وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم] [¬٢].
والعبادة في اللُّغة من الذلة يقال: طريق معبّد وبعير معبد أي مذلَّل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وقدّم المفعول وهو إياك وكرَّر للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكل إلَّا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين. وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأوّل تبرؤ من الشرك،
Juz 1, hlm. 214 ›
والثَّاني تبرؤ من الحول والقوّة والتفويض إلى الله ﷿، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬١]﴾. ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. وكذلك هذه الآية الكريمة:.
وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبه؛ لأنَّه لما أثنى على الله تعالى فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وفي هذا دليل على أن أوّل السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن [¬٢] يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه. كما جاء في الصحيحين (¬١٤٢)، عن عبادة بن الصَّامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة [¬٣] الكتاب".
وفي صحيح مسلم (¬١٤٣)، من حديث العلاء بن عبد الرحمن [مولى الحُرَقة] [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله [¬٥]: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله [¬٦]: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي. فإذا [¬٧] قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
وقال الضَّحَّاك عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [على طاعتك وعلى أمورنا كلها.
وقال قتادة (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾] [¬٨] يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على
Juz 1, hlm. 215 ›
أموركم [¬١]. وإنَّما قدّم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو [¬٢] تقديم [¬٣] ما هو الأهم فالأهم والله أعلم.
[فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام. وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير.
ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف، وجاهك عريض فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله ﷿ وفقرهم إليه.
ومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من إياك عَبَدْنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه، من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى كما قال بعضهم:
لا تدعني إلَّا بيا عبدها … فإنَّه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسول الله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
وقد حكى الرَّازي في تفسيره عن بعضهم: أنّ مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق. قال: ولأن الله يتولَّى مصالح عبده والرسول يتولَّى مصالح أمته.
وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرَّض له الرَّازي بتضعيف ولا ردّ. وقال بعض الصوفية: العبادة إمَّا لتحصيل ثواب أو درء عقاب. قالوا: وهذا ليس بطائل إذ
Juz 1, hlm. 216 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.