فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
سورة البينة
مكية، وقيل: مدنية، وهي ثماني آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)] ١ - ٨ [.
كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبده الأصنام يقولون قبل مبعث النبي ﷺ: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة البينة
مدنية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لا ننفك مما نحن عليه من ديننا)، روي عن المصنف أنه قال: هذا من باب
Juz 16, hlm. 526 ›
ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ، فحكي الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) يعنى أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ﷺ؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقًا، فيقول واعظه: لم تكن منفكًا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار؛ يذكره ما كان يقوله توبيخًا وإلزامًا. وانفكاك الشيء من الشيء: أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ولا يتركونه إلا عند مجيء البينة. و (الْبَيِّنَةُ) الحجة الواضحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحكاية بزعمهم، وقوله: "وما تفرق الذين أوتوا الكتاب" إلزام عليهم؛ حكى الله كلامهم على سبيل التوبيخ والتعيير، وجاء به في بعض النُّسخ بدل قوله: "البينة: الحجة الواضحة": "البينة: القرآن، ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، و ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾: جبريل، وهو التالي للصحف المطهرة المنتسخة من اللوح، التي ذُكرت في سورة "عبس"، ولا بد من مضاف محذوف وهو الوحي، ويجوز أن يراد النبي? . فإن قلت: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إليه وهو أمي؟ قلت: إذا تلا مثل المسطور فيها كان تالياً"، وشرح هذه الرواية قوله: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، معناه أن القرآن فيه بيانن أو حجة ما في الكتب المتقدمة، أو هو مصداقها.
قوله: (التي ذُكرت في سورة عبس)، يعني: قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣]، أي: صحف منتسخة من اللوح، مكرمة عند الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
قوله: (لا بد من مضاف محذوف)، أي: القرآن وحي رسول من الله.
Juz 16, hlm. 527 ›
و (رَسُولٌ) بدل من (البينة). وفي قراءة عبد الله: (رسولًا) حالًا من البينة. (صُحُفاً) قراطيس (مُطَهَّرَةً) من الباطل. (فِيها كُتُبٌ) مكتوبات، (قَيِّمَةٌ) مستقيمة ناطقة بالحق والعدل؛ والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه، أو تفرقهم فرقًا؛ فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به؛ ومنهم من عرف وعاند.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و ﴿رَسُولٌ﴾ بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾)، قال الإمام: "وفائدته الإعلام بأن ذاته كانت بينة على نُبوته؛ لأنه كان في نهاية من الجد في تقرير النبوة، وفي غاية من الصدق وكمال من العقل. وروي عن حجة الإسلام أن مجموع الأخلاق الفاضلة، كان بالغاً فيه إلى حد الإعجاز، أو أن معجزاته كانت في غاية الظهور والكثرة". وقلت: الدليل على أن المراد بالبينة رسول الله? ، قوله: "لا تنفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود"، ولعل السر في جعله ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ توطئة لذكر الرسول، كما وبخهم بقولهم: ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. ولهذا السر أيضاً
أُفرد ذكرهم عن المشركين في قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، كأنهم عُيِّروا بالتفرق وهم أهل الكتاب، لأن جحود العالم أقبح من إنكار الغافل.
قوله: (﴿صُحُفًا﴾: قراطيس ﴿مُّطَهَّرَةً﴾)، الراغب: "الصحيفة: المبسوط من الشيء كصحيفة الوجه، والصحيفة التي يُكتب فيها، وجمعها صحائف وصُحف، قال تعالى: ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾؛ أُريد بها القرآن، جعله صُحفاً فيها كتب، من أجل تضمنه لزيادة ما في كتب الله. والمصحف ما جُعل جامعاً للصحف المكتوبة". وقال أيضاً: "أراد بقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، لأن القرآن مجمع ثمرة كتب الله المتقدمة".
Juz 16, hlm. 528 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.