التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
معنى نزول القرآن في ليلة القدر:
معنى نزول القرآن في ليلة القدر، مع العلم بأنه نزل منجّما مقسّطا على مدى ثلاث وعشرين سنة: أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر؛ لأن بعثة النبي ﷺ كانت في رمضان.
وذلك لأن الله تعالى قال في هذه السورة: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال في سورة الدخان: ﴿حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْراً مِنْ عِنْدِنا، إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [١ - ٦].
وأما قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [١٨٥] فمعناه أنه ابتدأ نزول القرآن في شهر رمضان المبارك.
وأما آية الأنفال: ﴿.. وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [٤١] فلا تعني تحديد موعد نزول القرآن، وإنما تذكّر المؤمنين بما أنزل على محمد ﷺ يوم بدر في السابع عشر من رمضان من الآيات المتعلقة بأحكام القتال، والملائكة، والنصر. وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرق فيه بين الحق والباطل.
بدء نزول القرآن وفضائل ليلة القدر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾
Juz 30, hlm. 331 ›
الإعراب:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ يراد بالهاء القرآن، وأضمره وإن لم يجر له ذكر، للعلم به.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فيه صفة محذوفة، تقديره: خير من ألف شهر، لا ليلة قدر فيه، فحذف الصفة.
﴿سَلامٌ هِيَ.﴾. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، و ﴿سَلامٌ﴾: خبره المقدم.
﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى مطلع الفجر. ويقرأ أيضا ﴿مَطْلَعِ﴾ بكسر اللام، والقياس هو الفتح؛ لأنه من طلع يطلع، بضم عين المضارع، والكسر على خلاف القياس.
البلاغة:
﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إطناب لذكرها ثلاث مرات، للتفخيم وزيادة العناية بها.
﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ استفهام بقصد التفخيم والتعظيم.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ ذكر الخاص بعد العام، ذكر جبريل بعد الملائكة، للتنويه بقدره.
﴿الْقَدْرِ﴾، ﴿شَهْرٍ﴾، ﴿أَمْرٍ﴾، ﴿الْفَجْرِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْزَلْناهُ﴾ القرآن، أضمره من غير سابقة ذكر له، للعلم به، والشهادة بأنه غني عن التصريح والتعريف، وقد عظّمه بإسناد إنزاله إليه، وعظّم الوقت الذي نزل فيه بقوله:
﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
﴿أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي ابتدأ إنزاله فيها، أو أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا على السفرة الكرام البررة، ثم كان جبريل ينزل به على رسول الله ﷺ منجّما مقسطا على التدريج في ثلاث وعشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد ﵉ واسطة. ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي ما أعلمك يا محمد ما هذه الليلة، والاستفهام لتعظيم شأنها، وسميت بذلك لشرفها، أو لتقدير الأمور فيها، كما قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤/ ٤٤].
﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلة قدر، فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها. ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي تتنزل إلى الأرض أو السماء الدنيا، أو تقربهم إلى المؤمنين.
Juz 30, hlm. 332 ›
﴿وَالرُّوحُ﴾ جبريل ﵇. ﴿فِيها﴾ في الليلة. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره. ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي كل أمر قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل، وقوله: ﴿مِنْ﴾ سببية، بمعنى الباء أي من أجل كل أمر قدّر في تلك السنة. والآية: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لبيان سبب تفضيلها على ألف شهر.
﴿سَلامٌ هِيَ﴾ أي ما هي إلا سلامة، والمعنى: لا يقدر الله فيها إلا السلامة، وأما في غيرها فيقضي بالسلامة والبلاء، أو لكثرة سلام الملائكة فيها على كل مؤمن ومؤمنة. ﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى وقت مطلعه أو طلوعه.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن الحسن بن علي أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ونزول السورة هي بسبب ما ساءه من حكم بني أمية الذي دام ألف شهر، ولكنه حديث غريب ومنكر جدا.
وأخرج ابن أبي حاتم والواحدي عن مجاهد: أن رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح فيها في سبيل الله.
نزول الآية (٣):
أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، فعمل ذلك ألف شهر، فأنزل الله:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ عملها ذلك الرجل.
التفسير والبيان:
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي إننا نحن الله بدأنا إنزال القرآن في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، كما قال الله ﷿: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ
Juz 30, hlm. 333 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.