التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥))
المفردات:
(فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَي: ليلة تقدير الأُمور وقضائها، والقدر: بمعنى التقدير، وهي بذلك تشرف وتفضل سائر الليالي.
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) أَي: لم تبلغ درايتك وعلمك غاية فضلها العظيم.
(وَالرُّوحُ فِيهَا) أَي: جبريل ﵇ أَو خلق من خلق الله لم يُر مثلهم.
(سَلامٌ هِيَ): أي: أَنها سلام من كل أَمر مخوف إلى مطلع الفجر. أَو تسليم من الملائكة على المؤمنين إِلى تلك الغاية.
التفسير
١ - (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ):
يخبر الله تعالى بأَنه -سبحانه- عظم القرآن الكريم بإِسناد إِنزاله إليه -جل شأْنه- لا إِلى غيره، أَنزله -سبحانه- في ليلة مباركة كما قال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ" (¬١) وهي ليلة القدر التي جعلها الله من ليالي شهر رمضان، كما قال سبحانه " شَهْرُ
Juz 10, hlm. 1974 ›
رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" (¬١) وفي إِسناد إِنزاله إِليه - سبحانه - مرتين في قوله: (إنا) وقوله: (أَنزلناه) مع تأْكيد الجملة في الآية الكريمة مزيد من التعظيم والتفخيم مع إِفادة اختصاص الإِنزال به تعالى كما قال الزمخشري.
وفي التعبير عن القرآن بضمير الغائب في "أَنزَلْنَاهُ" مع عدم تقدم ذكره تعظيم له أَي: تعظيم؛ لما أَنه يُشعر بأَنه لعلو شأْنه كأَنه حاضر عند كل أَحد، والمراد: ابتدأَنا في تلك الليلة إِنزاله على محمد ﷺ.
٢ - (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ):
تعظيم لليلة القدر التي خصها - تعالى - بإنزال القرآن، أَي: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها؛ لأَن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يَعْلَم ذلك، ولا يُعْلِمُ به إِلاَّ علاَّم الغيوب، كما يشعر به قوله تعالى:
٣ - (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ):
بيان إِجمالي لشأْنها إِثر تشويقه ﵊ إِلى درايتها بقوله: "وَمَا أَدْرَاكَ" فإِن ذلك معرب بالوعد بإِدراكها وإِعلام الله له ﷺ بها.
وقد روي عن سفيان بن عيينة أَمر أَن كل ما في القرآن من قوله تعالى: "وَمَا أَدْرَاكَ" أَعلم به الله تعالى نبيه ﷺ وما فيه من قوله سبحانه: (وَمَا يُدْرِيكَ) لم يعلمه ﷿ به أَي: هي خير من أَلف شهر ليس فيها ليلة القدر، وسبب ارتقائها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من إِنزال القرآن، وتنزل الملائكة والروح فيها، وفصل كل أَمر حكيم، ولذلك فإِن العبادة فيها أَكثر ثوابًا، وأَعظم فضلًا من العبادة في أَشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر، والعمل القليل قد يفضل الكثير باعتبار الزمان والمكان، وكيفية الأداءِ، وهو اختيار ابن جرير، وهو الصواب كما يقول ابن كثير.
Juz 10, hlm. 1975 ›
وذكر في تخصيص خيريتها على هذه المدة أَن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إِسرائيل لبس السلاح في سبيل الله أَلف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، وتقاصرت إِليهم أَعمالهم. فأُعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. وقد روي ذلك عن مجاهد. وقيل: المراد من الأَلف التكثير كما في قوله تعالى: "يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ" (¬١).
وقد نزل القرآن -كما روي عن ابن عباس- جملة واحدة من اللَّوح المحفوظ إِلى بيت العزة من السماءِ الدنيا. ثم نزل به جبريل مفصلًا حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ، وقال بعضهم بما روي عن ابن عباس، بل حكى بعضهم الإِجماع عليه، نعم لا يبعده القول بأَن السفرة هناك نجموه لجبريل ﵇ وكان ينزل به على النبي ﷺ نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وفي رواية أُخرى عن ابن عباس: أَنه أُنزل في ليلة القدر جملة واحدة من السماءِ الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إِثر بعض، ومعنى إِنزال القرآن من اللوح المحفوظ: إِظهاره من عالم الغيب إِلى عالم الشهادة، أَو إِثباته لدي السفرة هناك أَو نحو ذلك.
واختلفت في الوقت الذي تلتمس فيه ليلة القدر. فقيل: إِنها في العشر الأَواخر من رمضان، وقيل: إِنها ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أُبي بن كعب عن رسول الله ﷺ إِنها ليلة سبع وعشرين، وقيل: إِنها ليلة ثلاث وعشرين، وقيل: إِنها ليلة أَربع وعشرين. والأَقوال فيها مختلفة جدًا، إِلا أَن الأَكثرين على أَنها في العشر الأواخر لكثرة الأَحاديث الصحيحة في ذلك. وأَكثرهم على أَنها في أَوتارها وكثير إِلى أنها الليلة السابعة والعشرون.
والحكمة في إِخفائها أَن يجتهد من يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها، فيحيي ليالي شهر رمضان كلها كما كان دأب السلف.
روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر. فتلاحى رجلان فرفعت أَي: رفع تعيينها -وعسى أَن يكون خيرًا لكم.
Juz 10, hlm. 1976 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.