التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
كان له عهد فوقها ونقض العهد. أما من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى:
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ الآية،
وللحديث: «ومن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد، فعهده إلى مدته» قال ابن كثير: وهذا أحسن الأقوال وأقواها.
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ سيروا آمنين أيها المشركون في الأرض مدة أربعة أشهر، والمراد حرية الانتقال مع الأمان هذه المدة دون قتال فيها، وأولها شوال، بدليل قول الزهري: إن براءة نزلت في شوال. ولا أمان لكم بعدها. والسياحة والسيح: الانتقال في الأرض بحرية ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أي لا تفوتونه من عذابه بالهرب والتحصن ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ مذلّهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، والخزي: الذل والفضيحة بما هو عار.
﴿وَأَذانٌ﴾ إعلام ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يوم العيد الأكبر وهو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الحجيج لإتمام مناسكهم، وإنما قيل: الأكبر من أجل قول الناس عن العمرة: الحج الأصغر ﴿أَنَّ اللهَ﴾ أي بأن الله بريء من عهود المشركين ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بريء أيضا ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفر ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان ﴿وَبَشِّرِ﴾ أخبر ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ من شروط العهد والميثاق، فلم يقتلوا أحدا ولم يضروه. ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا﴾ يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ من الكفار ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ أي إلى انقضاء مدتهم التي عاهدتم عليها ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ بإتمام العهود.
المناسبة:
كان هناك عهد عام بين النبي ﵌ ومشركي مكة وغيرهم على ألا يصدّ عن البيت الحرام أحد من الطرفين، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم، وكانت هناك أيضا عهود بينه ﵊ وبين كثير من قبائل العرب إلى آجال معينة، فنقض كثير من المشركين عهودهم مع النبي ﵌، مما اقتضى نزول البراءة من عهودهم.
التفسير والبيان:
نزلت آيات ﴿بَراءَةٌ﴾ الأولى في أهل مكة في السنة التاسعة، بعد أن عاهدهم النبي ﵌ في صلح الحديبية سنة ست هجرية، فنقضوا العهد، إلا بني ضمرة وبني كنانة، فأمر المسلمون بالتبرؤ من عهود المشركين وإمهالهم أربعة
Juz 10, hlm. 99 ›
أشهر، فإذا انتهت هذه المدة قاتلوهم.
والمراد بالعهود: العهود المطلقة غير المؤقتة بزمن، ومن كان له عهد دون أربعة أشهر فتكمل له هذه المدة، وأما من عهده مؤقت بمدة فوق ذلك فأجله إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ [براءة ٤/ ٩].
هذا أصح الأقوال الذي اختاره الطبري وابن كثير وغيرهما. قال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد دون أربعة أشهر؛ ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله:
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾.
وقد أمّر النّبي ﵌-كما أوضحت-أبا بكر في السّنة التّاسعة أميرا على الحجّ، فلما سافر نزلت سورة براءة متضمّنة نقض عهد المشركين، فأرسل عليّا ليبلّغ ذلك النّاس يوم الحجّ الأكبر قائلا: «لا يؤدّي عني إلا رجل من أهل بيتي». فلما اجتمع الناس بمنى يوم النّحر، قرأ عليهم علي آيات من أول سورة براءة، ثم قال-فيما رواه التّرمذي والنسائي وأحمد-: بعثت بأربع:
ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النّبيّ ﵌ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.
ومعنى الآية: ﴿بَراءَةٌ﴾ أي تبرؤ وتخلص، وهي براءة صادرة من الله ورسوله، واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين. وإنما نسبت البراءة لله ولرسوله لأنها تشريع جديد من الله، وأمر لرسوله بتنفيذه، وتنويه بمقامه ومكانته.
ونسبت المعاهدة بقوله: ﴿عاهَدْتُمْ﴾ للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين ينفذون أحكام المعاهدات، مع أن الرّسول ﵌ هو الذي عقد العهد بوصفه قائد الأمّة. قال الجصّاص: البراءة: هي قطع الموالاة، وارتفاع العصمة، وزوال الأمان.
Juz 10, hlm. 100 ›
براءة إلى أهل العهد المشركين، وهم أهل مكة وخزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم من العرب، أي إن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم؛ لأنهم ما عدا ناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة نكثوا العهد، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا، لا يتعرض لهم.
وقوله: ﴿فَسِيحُوا﴾ عدول من الخبر إلى الخطاب، أي قل لهم: سيحوا، أي سيروا في الأرض آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين. وتبيّن بالآية أن هذه البراءة وهذا النّبذ إليهم، إنما هي بعد أربعة أشهر، وأن عهد المعاهدين باق إلى آخر هذه المدّة (¬١).
وحددت لهم هذه المدّة ليفكروا في أمرهم، فيختاروا إما الإسلام وإما القتال، ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال، إذا أصرّوا على شركهم وعداوتهم. وهذا منتهى التّسامح والإنذار، حتى لا يتهم المسلمون بأخذهم فجأة على غرّة.
والأربعة الأشهر في رأي السيوطي هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم؛ لأنه روي عن الزّهري: أن براءة نزلت في شوال.
وقال آخرون كالزّمخشري والرّازي والقرطبي وابن كثير: هي الأشهر الحرم في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، وهذا هو القول الأصحّ في تقديري؛
لأن الإمام علي ﵁ قرأ أوائل سورة براءة على الناس يوم النّحر في منى.
Juz 10, hlm. 101 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.