تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
الأكبر؟ ذاك عام حجَّ فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله ﷺ فحج بالناس. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (¬٢٩): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون: سألت محمدًا يعني ابن سيرين عن يوم الحج الأكبر؟ فقال [¬١]: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله ﷺ حج [¬٢] أهل الوبر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾
هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجوَ بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، وذلك بشرط أن لا ينقض [¬٣] المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدًا - أي: يمالئ عليهم من سواهم فهذا الذي يوفَّى له بذمته وعهده إلى مدته؛ ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الموفين بعهدهم.
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم هاهنا ما هي؛ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية. قاله أبو جعفر الباقر، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم.
وهذا الذي ذهب إليه حكاه على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك
Juz 7, hlm. 147 ›
أيضًا، وفيه نظر. والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس، في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله [¬١]: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة [التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة] [¬٢] المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد [] [¬٣] في هذه السورة الكريمة.
وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض، وهذا عامٌّ والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وَأْسروهم إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا.
وقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم [¬٤] بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإِسلام؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت [¬٥] قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإِسلام، والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف [أركان الإِسلام] [¬٦] بعد الشهادتين [¬٧] الصلاة التي هي حق الله ﷿ وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعدٍ [¬٨] إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين؛ ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أمرت أن [¬٩] أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة … " الحديث.
وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يترك فلا صلاة له.
Juz 7, hlm. 148 ›
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أَبَى الله أن يقبل الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: يرحم الله أبا بكر! ما كان أفقههُ.
وقال الإمام أحمد: حدثنا على بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا إلاَّ، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول إلاَّ، واسقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما [¬١] عليهم".
ورواه البخاري في صحيحه (¬٣٠) وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به.
وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (¬٣١): حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبربا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس [عن أنس] [¬٢]؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك به شيئًا [¬٣]، فارقها والله عنه راضٍ".
قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان، وعبادة ركهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. ورواه ابن مردويه.
ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له (¬٣٢): حدثنا إسحاق بن إبراهيم،
Juz 7, hlm. 149 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.