تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة الغاشية)
[﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾].
﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ توقيف يراد به التنبيه والتفخيم للأمر.
وقيل: ﴿هَلْ﴾ بمعنى «قد»، وهذا ضعيف.
﴿الْغَاشِيَةِ﴾ هي القيامة؛ لأنها تغشى جميع الخلق.
وقيل: هي النار، من قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وهذا ضعيف؛ لأنه ذكر بعد ذلك قسمين: أهل الشقاوة وأهل السعادة.
﴿خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة.
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ هو من النَّصَب بمعنى التعب.
Juz 4, hlm. 671 ›
وفي المراد بهم ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنهم الكفار، ويحتمل على هذا يكون عملهم ونَصَبهم: في الدنيا؛ لأنهم كانوا يعملون أعمال السوء ويتعبون فيها.
أو يكون في الآخرة، فيعملون فيها عملًا يتعبون فيه؛ من جرّ السلاسل والأغلال وشبه ذلك، ويكون زيادة في عذابهم.
الثاني: أنها في الرهبان الذين يجتهدون في العبادة ولا تقبل منهم؛ لأنهم على غير الإسلام، وبهذا تأولها عمر بن الخطاب ﵁، وبكى رحمةً لراهب نصراني رآه مجتهدًا، فـ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ على هذا: في الدنيا.
و ﴿نَاصِبَةٌ﴾ إشارة:
إلى اجتهادهم في العمل.
أو إلى أنه لا ينفعهم، فليس لهم منه إلا النصب.
الثالث: أنها في القدرية، وقد روي أن رسول الله ﷺ ذكر القدرية فبكى وقال: «إن فيهم المجتهد» (¬١).
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: شديدة الحر، ومنه ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ووزن ﴿آنِيَةٍ﴾ هنا فَاعِلَة، بخلاف ﴿بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥] فإن وزنه: أَفْعِلَة.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ في الضريع أربعة أقوال:
أحدها: أنه شوك يقال له: الشِّبْرِق، وهو سَمٌّ قاتل، وهذا أرجح
Juz 4, hlm. 672 ›
الأقوال؛ لأن أرباب اللغة ذكروه، ولأن النبي ﷺ قال: «الضريع شوك في النار» (¬١).
الثاني: أنه الزقوم؛ لقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤].
الثالث: أنه نبات أخضر مُنتِنٌ يَنبت في البحر، وهذا ضعيف.
الرابع: أنه واد في جهنم، وهذا ضعيف؛ لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام، إنما هو شراب.
ولله درُّ من قال: الضريع طعام أهل النار، فإنه عمَّ وسَلِم من عُهدة التعيين.
واشتقاقه عند بعضهم من المضارعة بمعنى المشابهة؛ لأنه يشبه الطعام الطيب وليس به.
وقيل: بمعنى: مُضْرع للبدن، أي: مُضعف.
وقيل: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ.
فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾، وقال في «الحاقة»: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ [الحاقة: ٣٦]؟
فالجواب: أن الضريع لقوم، والغسلين لقوم.
أو يكون أحدهما في حال، والآخر في حال.
﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ هذه الجملة صفة لـ ﴿ضَرِيعٍ﴾، أول ﴿طَعَامٍ﴾.
Juz 4, hlm. 673 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.