Lewati ke konten

QS. Al-A'la: 9 الأعلى

فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (29)

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير · ابن عاشور

وَيُوَجَّهُ الْعُدُولُ عَن مُقْتَضَى ظَاهِرِ النَّظْمِ إِلَى مَا جَاءَ النَّظْمُ عَلَيْهِ، بِأَنَّ فِيهِ تَنْزِيلُ الشَّيْءِ الْمُيَسَّرِ مَنْزِلَةَ الشَّيْءِ الْمُيَسَّرَ لَهُ وَالْعَكْسُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ثُبُوتِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقَلْبِ الْمَقْبُولِ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: «عَرَضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ» ، وَقَوْلِ الْعَجَّاجِ:

وَمَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أَرْجَاؤُهُ ... كَأَنَّ لَوْنَ أَرْضِهِ سَمَاؤُهُ

وَقَدْ وَرَدَ الْقَلْبُ فِي آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [الْقَصَص: ٧٦] وَمِنْهُ الْقَلْبُ التَّشْبِيهُ الْمَقْلُوبُ.

وَالْمَعْنَى: وَعْدُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ يَسَّرَهُ لِتَلَقِّي أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ فَلَا تَشُقُّ عَلَيْهِ وَلَا تُحْرِجُهُ تَطْمِينًا لَهُ إِذْ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِ إِرْسَالِهِ مُشْفِقًا أَنْ لَا يَفِيَ بِوَاجِبَاتِهَا. أَيْ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ قَابِلًا لِتَلَقِّي الْكَمَالَاتِ وَعَظَائِمِ تَدْبِيرِ الْأُمَّةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَشُقَّ عَلَى الْقَائِمِينَ بِأَمْثَالِهَا.

وَمِنْ آثَارِ هَذَا التَّيْسِيرِ مَا

وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَار أيسرهما»

،

وَقَوْلُهُ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ لَا معسّرين»

. [٩- ١٣]

[سُورَة الْأَعْلَى (٨٧) : الْآيَات ٩ إِلَى ١٣]

فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)

بَعْدَ أَنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ مَا أَزَالَ فَرَقَهُ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَمَا اطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ دَفْعِ مَا خَافَهُ مِنْ ضَعْفٍ عَنْ أَدَائِهِ الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا وَتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيَانِ مَا يُوحَى إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ إِنْسَاؤُهُ مُرَادًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَوَعْدُهُ بِأَنَّهُ وَفَّقَهُ وَهَيَّأَهُ لِذَلِكَ وَيَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ وَهُوَ فِي مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسَالَةِ (إِذْ كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثَامِنَةَ السُّوَرِ) لَا يَعْلَمُ مَا سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشَى أَنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنْهُ أَوْ مَلَامٌ. أَعْقَبَ ذَلِكَ بِأَنْ أَمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أَيِ التَّبْلِيغِ، أَيْ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ، إِرْهَافًا لِعَزْمِهِ، وَشَحْذًا لِنَشَاطِهِ لِيَكُونَ إِقْبَالُهُ عَلَى

Juz 30, hlm. 283 ›

التَّذْكِيرِ بِشَرَاشِرِهِ فَإِنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ إِذَا عَاضَدَهُ إِقْبَالُ النَّفْسِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَإِرْضَاءِ الْخَاطِرِ.

فَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ.

وَالْأَمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي طَلَبِ الدَّوَامِ.

وَالتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وَهُوَ الْقُرْآنُ.

وَالذِّكْرَى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ عَبَسَ.

وَمَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أَيْ فَذَكِّرِ النَّاسَ وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى الْآيَتَيْنِ.

وَجُمْلَةُ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُعَلَّلَةِ وَعِلَّتِهَا، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى الْعُمُومِ الَّذِي اقْتَضَاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أَيْ فَدُمْ عَلَى تَذْكِيرِ

النَّاسِ كُلِّهِمْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى جَمِيعَهُمْ، أَيْ وَهِيَ لَا تَنْفَعُ إِلَّا الْبَعْضَ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى الْآيَةَ.

فَالشَّرْطُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْجُمْلَةِ وَلَا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِهَا إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى: فَذَكِّرْ إِذَا كَانَ لِلذِّكْرَى نَفْعٌ حَتَّى يُفْهَمَ مِنْهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا تُذَكِّرَ إِذَا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرَى، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِمَا إِذَا كَانَتِ الذِّكْرَى نَافِعَةً إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى تَعَرُّفِ مَوَاقِعِ نَفْعِ الذِّكْرَى، وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأَنَّ الْمَعْنَى فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ، بَلِ الْمُرَادُ فَذَكِّرِ النَّاسَ كَافَّةً إِنْ كَانَتِ الذِّكْرَى تَنْفَعُ جَمِيعَهُمْ، فَالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّشْكِيكِ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّرْطِ بِ (إِنْ) أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فَالدَّعْوَةُ عَامَّةٌ وَمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي قَبُولِ الْهُدَى وَعَدَمِهِ أَمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأَبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإِيمَانِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَنْ يُرْجَى مِنْهُمُ الْإِيمَانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَالْوَاقِعُ يَكْشِفُ الْمَقْدُورَ.

وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ فِي الْقَوْمِ مَنْ لَا تَنْفَعُهُ الذِّكْرَى وَذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلَابِ حَرْفِ (إِنِ) الْمُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمَالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أَوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ:

Juz 30, hlm. 284 ›

سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى فَهُوَ اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وَمَا لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِرَاضِ بِقَوْلِهِ:

إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى الْمُشْعِرِ بِأَنَّ التَّذْكِيرَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ الْمُذَكَّرِينَ.

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَنْفَعُ أَوْلِيَائِي وَلَا تَنْفَعُ أَعْدَائِي، وَفِي هَذَا مَا يُرِيكَ مَعْنَى الْآيَةِ وَاضِحًا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَأْوِيلِ مَعْنَى (إِنْ) ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْفَرَّاءِ وَالنُّحَاسِ: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ وَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَسَمِ الْوَاحِدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الثَّانِي.

وَيَذَّكَّرُ: مُطَاوِعُ ذَكَّرَهُ. وَأَصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التَّاءُ ذَالًا لقرب مخرجيهما ليتأتى إِدْغَامُهَا فِي الذَّالِ الْأُخْرَى.

ومَنْ يَخْشى: جِنْسٌ لَا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أَيْ سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يَخْشى مُرَاعًى فِيهِ لَفْظُ (مِنْ) فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ.

وَقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ فَلَمْ يقدّر لَهُ مفعول، أَيْ يَتَذَكَّرُ مِنَ الْخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وَجِبِلَّتَهُ، أَيْ مَنْ يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ فَيَنْظُرُ فِي مَظَانِّ كُلٍّ وَيَتَدَبَّرُ فِي الدَّلَائِلِ

لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ مَا أُنْذِرَ بِهِ.

وَالْخَشْيَةُ: الْخَوْفُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فِي سُورَةِ طه [٤٤] وَالْخَشْيَةُ ذَاتُ مَرَاتِبَ وَفِي دَرَجَاتِهَا يَتَفَاضَلُ الْمُؤْمِنُونَ.

وَالتَّجَنُّبُ: التَّبَاعُدُ، وَأَصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الْكَيْنُونَةِ بِجَانِبٍ مِنْ شَيْءٍ.

وَالْجَانِبُ: الْمَكَانُ الَّذِي هُوَ طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وَتَكَلُّفُ الْكَيْنُونَةِ بِهِ كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِ الْبُعْدِ أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ مِنْهُ، أَيْ يَتَبَاعَدُ عَنِ الذِّكْرَى الْأَشْقَى.

والتعريف فيْ َشْقَى

تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، أَي الأشقون.

وَْشْقَى

: هُوَ الشَّديد الشِّقْوَةِ، وَالشِّقْوَةُ وَالشَّقَاءُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ الْحَالَةُ النَّاشِئَةُ فِي الْآخِرَةِ عَنِ الْكُفْرِ مِنْ حَالَةِ الْإِهَانَةِ وَالتَّعْذِيبِ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مِنْ عُلِمَ إِلَى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ.

فَالْأَشْقَى: هُوَ الْكَافِرُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ شَقَاءً فِي الْآخِرَةِ لِخُلُودِهِ فِي النَّارِ.

Juz 30, hlm. 285 ›

Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →