تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو النجم. ﴿الثّاقِبُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الطّارِقِ،﴾ والعامل في الحال اسم الاستفهام.
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)﴾
الشرح: قال قتادة: حفظة يحافظون عليك رزقك، وعملك، وأجلك. وقيل: المعنى إن كل نفس إلا عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى القدر؛ أي: المقادير. هذا؛ وقد روي عن النبي ﷺ: أنه قال: «وكّل بالمؤمن ملائكة يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين؛ لاختطفته الشياطين». أقول: وهذا الحفظ يشمل المؤمن، والفاجر، والفاسق، والكافر بلا ريب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الانفطار). هذا؛ ويقرأ بتشديد الميم، وتخفيفها.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف بمعنى: «إلا» مفيدة للحصر. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حافِظٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿كُلُّ،﴾ ف: ﴿حافِظٌ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار، والمجرور. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف الميم ف: ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة مهملة، و ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، واللام هي الفارقة بين النفي والإثبات، وهي لازمة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل
وما صلة، وباقي الإعراب مثل ما تقدم بلا فارق، وأجيز تعليق ﴿عَلَيْها﴾ ب: ﴿حافِظٌ﴾ على أنه خبر ﴿كُلُّ،﴾ والجملة الاسمية على الاعتبارين جواب القسم لا محل لها، وما بينهما كلام معترض لا محل له. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٣٢]: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ،﴾ وقوله في سورة (الزخرف) رقم [٣٥]: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٥١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]
قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)﴾
الشرح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ﴾ أي: ابن آدم. والمعنى: فلينظر الإنسان نظر تفكر، واعتبار. ﴿مِمَّ خُلِقَ؟:﴾ من أي شيء خلقه الله؟ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وجه الاتصال بما قبله:
Juz 10, hlm. 538 ›
توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم: أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة، والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. وانظر الكلام على ﴿عَمَّ﴾ في سورة (النبأ) رقم [١].
﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ أي: من المني المتدفق؛ الذي ينصب بقوة، وشدة، يتدفق من الرجل، والمرأة، فيتكون منه الولد بقدرة الله، والدفق: صب الماء، و ﴿دافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، كما قالوا:
سر كاتم؛ أي: مكتوم، والمراد ماء الرجل، والمرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما.
هذا؛ وفي الجمل: و ﴿دافِقٍ﴾ من صيغ النسب، كلابن، وتامر؛ أي: ذي دفق، وهو صادق على الفاعل، والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة، أو هو استعارة مكنية، أو تخييلية، أو مصرحة بجعله دافقا؛ لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا؛ أي: يدفعه كما أشار له ابن عطية. انتهى. نقلا من الشهاب.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: الظّهر، وفيه لغات أربع: صلب، وصلب. وقرئ بهما، وصلب، وصالب، ومنه قول العباس-﵁: [المنسرح]
تنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى عالم بدا طبق
ويجمع على: أصلاب، وأصلب، وصلبة، ويقال: هو من صلب فلان. أي: من نسله، وولده.
﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ عظام الصدر، والصلب: فقار الظهر، ويسمى سلسلة الظهر، والأول من المرأة والثاني من الرجل، ومن الأول قول امرئ القيس في معلقته رقم [٣٠]: [الطويل]
مهفهفة بيضاء غير مفاضة... ترائبها مصقولة كالسّجنجل
قال ابن عباس-﵄: الترائب: موضع القلادة في الصدر، وعنه ما بين ثدييها، والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر، والنحر. قال دريد بن الصمة: [الطويل]
فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم... وإن تقبلوا نأخذكم في التّرائب
وقال المخبل السعدي: [الكامل]
والزعفران على ترائبها... شرق به اللّبّات والنّحر
وواحد الترائب: تريبة، مثل: صحيفة، وصحائف. قال المثقب العبدي: [الوافر]
ومن ذهب يسنّ على تريب... كلون العاج ليس بذي غضون
وقد جمعت على (ترائب) باعتبار ما حولها، وما أحاط بها، ولم يجمع الصلب كما جمعت التربية، وكذلك تقول العرب: رأيت خلاخيل المرأة، وثديها: وإنما لها ثديان، وخلخالان.
Juz 10, hlm. 539 ›
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله جل ثناؤه. ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي: أن الله تعالى قادر على أن يرد النطفة في الإحليل. وقيل: قادر على أن يرد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقيل: معناه إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقيل: معناه وإن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء، قادر على إعادته حيا بعد موته، وهو أهون عليه، ولا صعب على الله، وهذا القول هو الأصحّ، وأحقّ بالاعتبار بمعنى الآية لقوله جلّ ذكره بعده ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾.
ومعنى ﴿تُبْلَى﴾ تظهر الخبايا، والأمور المستورة في الدنيا. وقيل: ﴿تُبْلَى﴾ تعرف. قال الراجز: [الرجز]
قد كنت قبل اليوم تزدريني... فاليوم أبلوك وتبتليني
و ﴿السَّرائِرُ﴾ جمع: سريرة، وهي كل ما كان استسره الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان وكفر، كما قال الأحوص: [الطويل]
إذا رمت عنها سلوة قال شافع... من الحبّ ميعاد السّلوّ المقابر
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر
وقيل: ﴿السَّرائِرُ﴾ فرائض الأعمال، كالصوم والصّلاة، والزكاة، والوضوء، والغسل من الجنابة. فكل هذه سرائر بين العبد وبين ربه ﷿، وذلك؛ لأن العبد قد يقول في الدنيا:
صليت؛ ولم يصلّ، وصمت؛ ولم يصم، وزكيت؛ ولم يزك، واغتسلت؛ ولم يغتسل، فإذا كان يوم القيامة يختبر؛ حتى يظهر من أداها، ومن ضيعها. قال عبد الله بن عمر-﵄: يبدي الله يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في وجوه، وشينا في وجوه. فمن أدى الفرائض، كما أمر؛ كان وجهه مشرقا مستنيرا يوم القيامة. ومن ضيعها، أو انتقص منها شيئا؛ كان وجهه أغبر. والله عالم بكل شيء، ولكن يظهر ما ذكر علامات للمؤمنين، وفيه ما فيه من السرور، والغبطة، والحبور.
قال محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-: اكتشف الطب الحديث: أن هذا السائل من مني الإنسان يحوي حيوانات صغيرة، تسمى: (الحيوانات المنوية) وهي لا ترى بالعين المجردة، إنما ترى (بالمكروسكوب) وكل حيوان منها، له رأس، ورقبة، وذيل، يشبه دودة العلق في شكلها، ورسمها، وأن هذا الحيوان يختلط بالبويضة الأنثوية، فيلقحها، فإذا ما تم اللقاح؛ انطبق عنق الرحم، فلم يدخل بعده شيء إلى الرحم، وأما بقية الحيوانات؛ فتموت، وهذه الناحية العلمية: (وهي: أن الحيوان المنوي يشبه العلق في الشكل، والرسم). قد أثبتها القرآن في سورة (العلق): ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فهذه الآية معجزة بليغة من معجزات القرآن، لم يظهر وقت نزولها، ولا بعده بمئات السنين إلى أن اكتشف المجهر المكبر المذكور، وعرف كيف يتكون الإنسان بقدرة الله. انتهى.
Juz 10, hlm. 540 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.