فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
بمعنى: جنيت لك، ويصيد لك. وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين؛ لأنّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسد؛ وذلك أنّ المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافرٌ، لأنّ الحديث واقعٌ في الفعل لا في المباشر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمضاف هو المكيل أو الموزون)، أي: كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.
قوله: (وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر)، أي: الحديث في أن هذا الفعل، وهو الإخسار، يصدر منهم، لا أن غيرهم لا يُخسرون.
الانتصاف: "لا تنافر فيه، ولا يجعل هذا العامل في الضمير ليكون دالاً على المباشرة، بل المعنى: إذا كان الكيل من جهة غيرهم استوفوه، وإذا كان من جهتهم خاصة أخسروه، سواء باشروه أم لا. ويدل على أن الضمير لا يُعطي المباشرة أنك تقول: الأمراء هم الذين يُقيمون الحدود لا السوقة، وإن كانوا لا يباشرونه".
وقلت: هذا بمعزل عن مقصد المصنف؛ لأنه يريد أن الضمير إذا جُعل للمطففين أفاد التركيب معنى الحصر، لما يؤدي تقديم الفاعل المعنوي على عامله في قوله: هم يخسرون إلى معنى الاختصاص وأن الخُسران واقع، وإنما الكلام في فاعله ومباشره أنه: هم أو غيرهم، فقيل: ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ليفيد ما قال: هم على الخصوص أخسروا دون غيرهم، وليس الكلام إلا في الإخبار عنهم أنهم يُخسرون، فلو أُريد ذلك لخرج الكلام عن مقابلة ما قبله، إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع لا في الاختصاص، هذا هو المراد، فظن صاحب
Juz 16, hlm. 337 ›
والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه: ركيكٌ؛ لأنّ خط المصحف لم يراع في كثيرٍ منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أنى رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضةً لكونها غير ثابتةٍ في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأن الواو وحدها معطيةٌ معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقةً بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الانتصاف" أن غرض المصنف أن الإتيان بالضمير حينئذ لدفع الإسناد المجازي، وإسناد الفعل إلى غير المباشر. لكن الجواب: أن ليس بواجب حينئذ أن يجعل التركيب من باب التقديم ليفيد التخصيص، لاحتمال أن يكون من باب تقوى الحكم، والتقدير أنهم إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا البتة، فأفاد أن اهتمامهم بالإخسار بالدفع أتم من اهتمامهم في الاستيفاء عند الأخذ؛ لأن به يظهر أثر الربح، وعليه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، حيث خص البيع دون الشراء على أحد الوجوه. ثم يقال: إن معنى التخصيص من قوله: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] في السورة السابقة قطعي، لإيلاء حرف النفي الفاعل المعنوي، ولما كان مُخالفاً لمذهبه ذهب إلى أنه مثل ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ﴾، في قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا في الاختصاص، وهاهنا احتمل الأمرين، فقام مقام قرينة إرادة تقوى الحكم، فينبغي أن يرجح جانبها.
قوله: (والتعلق في إبطاله) وهو مبتدأ، وقوله: "ركيك" خبره، أي: التعلق في إبطال كون الضمير منصوباً عائداً إلى الناس بخط المصحف ركيك، والجملة عطف من حيث المعنى على جملة قوله: "لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد"، إلى آخره، عنى به قول الزجاج حيث قال: "الاختيار أن يكون ﴿هُم﴾ في موضع نصب، بمعنى: كالوا لهم، ولو كانت على معنى كالوا، ثم جاءت ﴿هُم﴾ تأكيداً، لكان في المصحف الألف مُثبتة".
Juz 16, hlm. 338 ›
فمن لم يثبتها قال: المعنى كافٍ في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمر وحمزة: أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا.
فإن قلت: هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل أَوْ (وَزَنُوهُمْ)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الضميرين للمطففين ويقفان عند الواوين وقيفة)، هذا يدل على أنهما جعلاهم في الموضعين مبتدأ، فالوجه أن يكون الخبر من أحدهما محذوفاً، أي: إذا كالوهم يُخسرون، وإذا وزنوهم يُخسرون. قال الزجاج: "منهم من يجعل ﴿هُم﴾ تأكيداً لما في كالوا، فيجوز أن يقف على: كالوا"، وكذا في "الكواشي". وقال أبو البقاء: "إنه ضمير منفصل مؤكد لضمير الفاعل، فعلى هذا يُكتبان بالألف".
قوله: (هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل: ﴿أَو وَّزَنُوهُمْ﴾؟ )، أي: لِمَ لَمْ يوازن بين القرينتين؟ بأن يقال: إذا اكتالوا على الناس، أو اتزنوا عليهم يستوفون، لمكان قوله: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؟ أجاب: أنه أتى على ما كانوا عليه، وتُعُورف من أحوالهم؛ لأنهم كانوا لا يأخذون ما يُكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين. قال الزجاج: "المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك إذا اتزنوا استوفوا الوزن، ولم يذكر إذا اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع بما يُكال ويوزن".
يريد أنه استغنى عن ذكر إحدى القرينتين بالأخرى بدلالة القرينة الآتية عليها. وقلت: الذين إذا اكتالوا إما أن يكون صفة مخصصة أو كاشفة أو جارية على الذم، فعلى الأول لا ينبغي ذكر الوزن؛ لأن سبب النزول - كما سبق - في قوم مخصوصين وفي فعل مخصوص وهو الكيل، وعلى الثاني: كلام الزجاج؛ لأن معنى التطفيف: البخس في الكيل
Juz 16, hlm. 339 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.