التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
المساواة في الإسلام
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠)﴾
الإعراب:
﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ ﴿أَنْ جاءَهُ﴾: في موضع نصب؛ لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن جاءه، فحذف اللام فاتصل الفعل به. ومنهم من جعله في موضع جر، بإعمال حرف الجر مع الحذف، لكثرة حذفها معها، وهي وحرف الجر في موضع نصب بالفعل قبلها.
﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾: بالنصب على جواب الترجي: (لعل) بالفاء بتقدير (أن). وبالرفع بالعطف على ﴿يَذَّكَّرُ﴾.
﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿يَسْعى﴾: حال من فاعل: جاء. ﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ حال من فاعل: يسعى، وهو الأعمى.
البلاغة:
﴿عَبَسَ وَتَوَلّى.﴾. ثم قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار، وزيادة في العتاب، وتنبيها للرسول ﷺ إلى العناية بشأن الأعمى، كمن يشكو جانيا بطريق الغيبة، وهو حاضر، ثم يقبل على الجاني مواجها بالتوبيخ. وفي ذكر الأعمى إنكار أيضا؛ لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالبا، لا التولي والعبوس.
﴿يَذَّكَّرُ﴾ و ﴿الذِّكْرى﴾ جناس اشتقاق.
﴿عَبَسَ وَتَوَلّى، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ سجع مرصع.
﴿تَصَدّى﴾ ﴿تَلَهّى﴾ بينهما طباق.
Juz 30, hlm. 59 ›
المفردات اللغوية:
﴿عَبَسَ﴾ قطّب وجهه. ﴿وَتَوَلّى﴾ أعرض. ﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ لأجل أن جاءه عبد الله بن أم مكتوم، فقطعه عما هو مشغول به من محاولة هداية أشراف قريش إلى الإسلام. وقد أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول ﷺ، والأعمى: هو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الزهري. وقد عاتب الله نبيه على عبوسه في وجه الأعمى، حتى لا تنكسر قلوب أهل الصّفّة؛ أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني، وأن النظر إلى المؤمن أولى وأصلح، وإن كان فقيرا، من النظر إلى غيره، وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان فيه نوع من المصلحة أيضا (¬١).
﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أي: أيّ شيء يعلمك ويعرّفك حال هذا الأعمى؟ ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وبما يتعرف عليه من الشرائع، وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ يتعظ، أصله يتذكر، فأدغم التاء في الذال. ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ العظة المسموعة منك.
﴿اِسْتَغْنى﴾ بالمال والجاه والقوة عن سماع القرآن. ﴿تَصَدّى﴾ تقبل وتعرض، وقرئ:
﴿تَصَدّى﴾ وأصله: تتصدى. فأدغم التاء الثانية بالصاد. ﴿أَلاّ يَزَّكّى﴾ يتطهر ويؤمن، أي ليس عليك بأس في ألا يتزكى بالإسلام، حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم، إن عليك إلا البلاغ. ﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ أي يخاف الله، وهو الأعمى. ﴿تَلَهّى﴾ تتشاغل، وأصله تتلهى، فحذفت التاء الأخرى.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿عَبَسَ﴾:
أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت: أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ، فجعل يقول: يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه، ويقبل على الآخر، فيقول له:
أترى بما أقول بأسا؟ فيقول: لا، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾.
وأخرج أبو يعلى مثله عن أنس.
Juz 30, hlm. 60 ›
التفسير والبيان:
﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ أي قطب النبي ﷺ وجهه، وأعرض، لأن جاءه الأعمى وقطع كلامه، وهو عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله ﷺ أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، فأعرض عنه، فنزلت.
وعذر ابن أم مكتوم أنه لم يدر بتشاغل النبي ﷺ.
﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾؟ أي وما يعلمك ويعرفك يا محمد لعل الأعمى يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك، أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ، فتنفعه الموعظة.
وفي هذا إيماء إلى أن غير الأعمى ممن تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من المشركين لا يرجى منهم الهداية. وفيه تعظيم من الله سبحانه لابن أم مكتوم.
وكان هذا التصرف من النبي ﷺ بمثابة ترك الاحتياط وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنبا البتة، ولا مصادما لمبدأ عصمة الأنبياء، لصدور الفعل عن أمر تابع للجبلّة الإنسانية كالرضا والغضب والضحك والبكاء، والتي رفع عنها التكليف في شريعة الإسلام.
وبعد هذا الوصف المؤذن بالعتاب جاء العتاب صريحا في قوله تعالى:
١ - ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أي أما من استغنى بماله وثروته وقوته عما لديك من معارف القرآن والهداية الإلهية، وعن الإيمان والعلم، فأنت تقبل عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به.
﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ أي لا بأس ولا شيء عليك في ألا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان مثل هؤلاء من الكفار.
Juz 30, hlm. 61 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.